بين قلم جاف وجيوب خاوية.. معلمو إدلب بين مطرقة الواجب وسندان الجوع

33

محمد الحمدو | DCRN

في الوقت الذي كان من المفترض أن تضجَّ فيه مدارس محافظة إدلب بأصوات التلاميذ، خيَّم صمتٌ ثقيل على أروقتها، لم يكن هذا الصمت بسبب عطلة رسمية، بل هو “احتجاج الأمعاء الخاوية” الذي أطلقه مئات المعلمين، بعد أن وصلت أوضاعهم المعيشية إلى حافة الهاوية، مع استمرار تقاضي رواتب هزيلة لا تغطي حتى تكاليف الخبز والماء، في بيئة تعصف بها الأزمات من كل جانب.

يعاني المعلم في شمال غرب سوريا من فجوة هائلة بين دخله وتكاليف الحياة؛ فبينما يبلغ متوسط تكلفة المعيشة للأسرة الواحدة قرابة 450 دولاراً أمريكياً شهرياً، لا يتجاوز راتب المعلم في أحسن الأحوال 100 إلى 120 دولاراً. وهو واقع مُنهك دفع بالكثيرين إلى التوقف عن التدريس، في إضراب هو صرخة وجودية قبل أن يكون مطلباً مالياً.

“لا نطالب بالرفاهية، بل نطالب بالبقاء على قيد الحياة فقط”، يقول أحد المعلمين النازحين في إدلب، والذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه خوفاً من التعرض للفصل أو المضايقة. ويضيف، متحدثاً بشروط عدم ذكر اسمه: “كيف يمكنني أن أقنع طلابي بقيمة العلم وأنا أفكر، وأنا أمام السبورة، في كيفية تأمين ثمن ربطة الخبز لأطفالي عند عودتي إلى الخيمة؟”.

ويشعر المعلمون بأن قطاع التعليم يقع في أسفل سلم أولويات الجهات الحكومية، مقارنة بقطاعات أخرى، رغم كونه حجر الأساس لأي مستقبل ممكن. وتتفاقم هذه المعاناة حين يكون المعلم نفسه نازحاً، يعيش في خيمة أو مسكن مستأجر هش، مما يضاعف أعباءه المالية ويجعل من الراتب الشهري مبلغاً سريع الزوال لا يلبي الحدود الدنيا من الكرامة الإنسانية.

ويبدو أن الاحتقان لم يعد مجرد إضراب مؤقت؛ إذ علمت DCRN من مصادر خاصة أن حركة استقالات جماعية بدأت بالتصاعد بين صفوف المعلمين، على خلفية ما وصفه المعتصمون بـ”التجاهل المتواصل لمطالبهم المحقة”. وتأتي هذه الاستقالات لتنقل التعليم في مناطق الشمال السوري من دائرة التهديد بالانهيار إلى بدايات الانهيار الفعلي، في انتظار حلول إسعافية تمهد لمعالجة مستدامة تنقذ ما يمكن إنقاذه.

ورغم تخوُّف الأهالي من ضياع العام الدراسي على أبنائهم، إلا أن هناك حالة من التعاطف الشعبي الواسع في إدلب؛ فالمجتمع يدرك أن “المعلم الجائع لا يمكنه بناء عقل”. وقد رفعت الفعاليات المدنية والجمعيات المحلية شعارات تؤكد أن استقرار التعليم هو صمام الأمان الوحيد لما تبقى من مستقبل في المنطقة.

إن إضراب معلمي إدلب، ثم تحوله إلى استقالات جماعية، ليس مجرد حركة مطلبية لتحسين الدخل، بل هو صرخة إنذار أخيرة لإنقاذ ما تبقى من البنية التحتية التعليمية الهشة.

إن استمرار تجاهل هذه المطالب العادلة لا يعني بقاء المدارس مغلقة فحسب، بل يعني دفع جيل كامل نحو هاوية الجهل أو الاستغلال أو عمالة الأطفال. فهل تُصغِي الجهات المعنية لنداء اليأس هذا، قبل أن يسقط “آخر حصون” الصمود في الشمال السوري؟ السؤال ينتظر إجابة، فيما تُقفل أبواب الفصول، وتُغلَق دفاتر المستقبل، يوماً بعد يوم.

قد يعجبك ايضا