د.الدكتور عبد الباسط أبو نبوت
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية | DCRN
تشهد الساحة السورية في المرحلة الراهنة تحولًا لافتًا في وتيرة الحراك الدبلوماسي، سواء على مستوى تحركات القيادة السورية خارج البلاد، أو من خلال الانفتاح الدولي المتزايد تجاه دمشق.
هذا الحراك، الذي يأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها الحرب غير المباشرة بين إسرائيل وإيران مع إعادة تشكيل موازين القوى، يعكس محاولة سورية لإعادة تموضعها كفاعل إقليمي مؤثر بعد سنوات من الحرب.
الدبلوماسية السورية من العزلة إلى المبادرة
تمثل الجولة الأوروبية الأخيرة للرئيس أحمد الشرع، والتي شملت فرنسا سابقا ثم بريطانيا وألمانيا، مؤشرا واضحا على انتقال الدبلوماسية السورية من موقع الدفاع إلى المبادرة. فهذه الزيارات لم تكن بروتوكولية بقدر ما حملت رسائل استراتيجية متعددة منها إعادة فتح قنوات التواصل مع أوروبا بعد سنوات من القطيعة أو الجمود، وطرح سوريا كشريك في ملفات الطاقة، خصوصا في ظل أزمة الطاقة الأوروبية، والترويج لمرحلة ما بعد الحرب، مع التركيز على الاستثمار وإعادة الإعمار.
وقد ركزت هذه الجولة على ملفين أساسيين:
_ دعم الاقتصاد السوري عبر شراكات مع الاتحاد الأوروبي، بما يشمل مشاريع البنية التحتية والطاقة.
_ ملف اللاجئين، بوصفه ملفًا ضاغطا على أوروبا، ومحفزًا للتعاون مع دمشق.
زيارة زيلينسكي إلى دمشق اختراق دبلوماسي غير مسبوق
تشكل زيارة الرئيس الأوكراني إلى دمشق حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، ليس فقط لندرة زيارات القادة الدوليين إلى سوريا منذ نهاية الحرب، بل لما تحمله من دلالات سياسية عميقة:
وهي تقاطع التجربتين السورية والأوكرانية في مواجهة حرب كان لروسيا دور مركزي فيها، وإن اختلفت السياقات.
ايضا فتح فصل جديد من العلاقات الثنائية قائم على التعاون في مجالات إعادة الإعمار، الأمن، والتوثيق الجنائي.
إشارة إلى تحول في تموضع أوكرانيا نحو الانخراط في ملفات الشرق الأوسط.
ومن المتوقع أن تلعب أوكرانيا دورا في إعادة تأهيل البنية التحتية، وتقديم خبرات في الأمن والدفاع.
والمساهمة في توثيق الجرائم ومتابعتها قانونيًا ضمن المرحلة الانتقالية.
سوريا كمحور في تحالف إقليمي ناشئ
يتزامن هذا الحراك مع تشكل ملامح تحالف إقليمي جديد يضم تركيا والأردن والسعودية، مع انفتاح من مصر وباكستان.
وتبرز سوريا هنا كحلقة مركزية في هذا التحالف، لعدة أسباب:
موقعها الجغرافي الاستراتيجي كمعبر بين آسيا وأوروبا.
دورها المحتمل كممر للطاقة، خاصة في مشاريع خطوط الغاز الجديدة.
حاجتها إلى الاستقرار كشرط لنجاح أي ترتيبات إقليمية.
وتتجلى أهمية هذا التحالف في تنسيق الجهود لضبط الحدود ومحاربة الإرهاب، وإدارة ملف اللاجئين بشكل إقليمي.
أيضا إطلاق مشاريع اقتصادية مشتركة، خصوصا في الطاقة والنقل.
الدبلوماسية بوابة الاستثمار
أحد أبرز مخرجات الحراك الدبلوماسي هو الدفع نحو إعادة الإعمار، حيث بدأت ملامح مرحلة اقتصادية جديدة تتشكل، تتضمن خصخصة جزئية للاقتصاد، وإطلاق شركات جديدة في قطاعي الكهرباء والطاقة، ودخول استثمارات أمريكية في مجالات النفط والغاز، وإعادة إحياء مشاريع أنابيب الغاز الإقليمية.
وهنا تلعب الدبلوماسية دور الوسيط بين الاحتياجات السورية الهائلة، ورغبة الدول في الاستثمار ضمن بيئة مستقرة وآمنة.
التحديات.. إسرائيل ومحاولات التعطيل
رغم هذا الزخم، يواجه الحراك الدبلوماسي تحديات كبيرة، أبرزها:
التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
ومحاولات التشويش على عملية الانتقال السياسي.
أيضا استهداف مشاريع البنية التحتية والطاقة.
وتسعى إسرائيل، وفق هذا السياق، إلى منع تحول سوريا إلى مركز إقليمي مستقر، وإضعاف أي تحالفات جديدة قد تعزز موقعها الجيوسياسي.
إلى أين تتجه الدبلوماسية السورية؟
يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذا الحراك:
سيناريو الانفراج التدريجي:
زيادة عدد الزيارات الرسمية إلى دمشق.
توقيع اتفاقيات اقتصادية كبرى.
تحسن تدريجي في الاستقرار الداخلي.
سيناريو التوازن الحذر:
استمرار الحراك الدبلوماسي دون اختراقات كبرى.
بقاء التوترات الإقليمية عامل ضغط دائم.
تقدم بطيء في إعادة الإعمار.
سيناريو التعطيل:
تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران على الأرض السورية.
تراجع الاستثمارات.
تجميد المسار السياسي.
سوريا لاعب عائد في لحظة مفصلية
ما يجري اليوم من نشاط دبلوماسي، هو إعادة صياغة لدور سوريا في النظامين الإقليمي والدولي، فبين زيارات الخارج واستقبال القادة، وبين مشاريع الطاقة والتحالفات الجديدة، تبدو دمشق في طريقها لاستعادة موقعها كمحور توازن في المنطقة، و نجاح هذا التحول مرهونا بقدرة سوريا على
تحقيق الاستقرار الداخلي، إدارة التوازنات الإقليمية بحذر.
وتحويل الزخم الدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.
العالم اليوم يتجه نحو تعددية قطبية، قد تجد سوريا نفسها أمام فرصة تاريخية إن أحسنت استثمارها للانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة التأثير.
