“فِخاخ الموت ” .. ألغام تفجر طريق العدالة وتوقظ ذاكرة الوجع

69

فردوس دياب | DCRN

عندما يعود السوريون إلى بيوتهم المدمرة بعد سنوات من التهجير، يكون حلمهم لقمة عيش آمنة أو سقف يظلل بقايا حلم، ولكنها تصطدم بكابوس مرعب لا يزال مدفوناً تحت أقدامهم.
فالأرض التي تركوها خلفهم زرعها النظام البائد بالموت، والألغام المنتشرة في كل مكان تحولت من مجرد مخلفات حرب إلى إرث يومي من القتل المستمر، يزرع الخوف ويعرقل تحقيق العدالة.
ومع كل خبر عن انفجار لغم، لا يرتفع عدد الضحايا فحسب، إنما يُستدعى الموت من جديد في ذاكرة شعب ظن أن الوجع قد انتهى.

بلدة الهبيط.. كابوس يتجدد

في بلدة الهبيط بريف إدلب الجنوبي، يتجسد كابوس الرعب واقعاً حقيقياً بين الأهالي العائدين. يروي يحيى سوادي، عم وشقيق أحد الأطفال المتوفين بانفجار لغم أرضي قبل أيام، كيف وقعت الحادثة المأساوية الجمعة الماضية. كان الأطفال ومنهم أخوه يوسف سوادي (12 عاماً) وابن أخيه إبراهيم (12 عاماً) يلعبون بجوار مدرسة اليرموك في الحارة الجنوبية، فعثروا على جسم غريب وحاولوا تحريكه دون إدراك الخطر، ليفاجئهم الانفجار ويحصد أرواحهم.

يؤكد سوادي أن تحذيرات الأهل لأبنائهم من الاقتراب من الأجسام الغريبة لم تكن كافية، فعدد الألغام الكبير كان أقوى وأخطر من كل التحذيرات، خاصة أن معظم أهالي البلدة عادوا حديثاً من مخيمات الشمال، والمأساة لم تنته هنا، فبعد الحادثة حضرت فرق الهندسة وبدأت بنقل بعض الألغام، لكن أثناء عملية النقل انفجر لغم آخر، ما أدى إلى تدمير سيارتين واستشهاد جنديين وإصابة خمسة عشر عسكرياً بينهم مدني.

جرح نازف يعيد إحياء الذاكرة

هذه الصور التي تتكرر يومياً تكشف أن الألغام تحولت من فخاخ للموت، إلى استدعاء دائم للصدمة.
ومع كل خبر انفجار يعيد إحياء ذاكرة الحرب ويبقي الضحايا في حالة ترقب مستمر، ما يكرس إحساساً بأن العدالة الانتقالية لا تزال بعيدة المنال.

وفي هذا السياق، يؤكد المحامي جواد خرزم أن مخلفات الحرب والألغام التي زرعها النظام البائد في مناطق الشمال تنتهك ركائز العدالة الانتقالية التي تقوم على الحق في المعرفة والعدالة والتعويض وضمان عدم التكرار.
آلاف المفقودين دفنتهم الألغام في مناطق غير محددة، وعائلاتهم لا تعرف إن كانوا أحياء أم أمواتاً، فالحفر للبحث عن رفات الضحايا محفوف بالموت نفسه.

طالما بقيت الألغام في الأرض، فإن رسالة العنف لا تتوقف، ولا معنى لأي مسار قانوني أو حقوقي إذا ظل الإنسان مهدداً في أبسط حقوقه، ألا وهو الحق في الحياة الآمنة على أرضه، معالجة مخلفات الحرب يجب أن تكون نقطة الانطلاق نحو استعادة الكرامة الإنسانية.


وفي تحليله للفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، يوضح خرزم أن ما يجعل الوضع في سوريا فريداً بمأساويته هو أن الضحية قد يكون نفسه منفذ عملية الإزالة. جنود الهندسة يموتون لأنهم يعملون دون خرائط، وهذا ليس عملاً بطولياً فقط، بل إدانة صريحة لغياب التخطيط الدولي والمحلي، فنحن هنا أمام جريمة متشعبة، فالألغام زرعت عشوائياً في الأراضي الزراعية والمدارس.

ولا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية طالما بقيت الألغام في الأرض، فإذا كانت العدالة الانتقالية تهدف إلى طي صفحة الماضي، فإن الألغام تفتحها كل يوم من جديد.
لا يمكن لأي مسار سياسي أن ينجح دون برنامج وطني طموح لنزع الألغام يدعمه المجتمع الدولي، ويرافق بإرادة قوية لتنفيذه.

الشبكة السورية لحقوق الإنسان: 3,799 قتيلاً مدنياً بينهم 1,000 طفل

وبمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام في الرابع من نيسان، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً وثقت فيه مقتل ما لا يقل عن 3,799 مدنياً، بينهم 1,000 طفل و377 سيدة، جراء انفجار ألغام أرضية ومخلفات ذخائر عنقودية في سوريا خلال الفترة الممتدة من آذار 2011 حتى نيسان 2026. من بينهم 329 مدنياً، منهم 65 طفلاً و29 سيدة، قتلوا منذ سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول 2024.

وعلى صعيد التوزع الجغرافي، تركزت ضحايا الألغام بنسبة 63% في محافظات حلب (814 قتيلاً)، والرقة (676)، ودير الزور (645)، تلتها حماة (342)، ودرعا (274)، وإدلب (222).
أما ضحايا الذخائر العنقودية، فتركز نحو 84% منهم في محافظات حلب (94)، وإدلب (87)، وحماة (84)، ودرعا (70).

لقد سُجل ارتفاع ملحوظ في حصيلة ضحايا الألغام عقب سقوط النظام، بالتزامن مع عودة أعداد متزايدة من النازحين إلى مناطقهم واستئناف الأنشطة الزراعية.
شملت الحوادث المسجلة بعد السقوط انفجارات وقعت أثناء حراثة الأراضي، والبحث عن ثمار الكمأ، وعبث الأطفال بمخلفات حرب مجهولة.

قدرت الشبكة عدد المصابين بجروح متفاوتة الخطورة بما لا يقل عن 10,600 مدني، بينهم عدد كبير يحتاج إلى أطراف اصطناعية وخدمات إعادة تأهيل طويلة الأمد. كما وثقت مقتل 47 شخصاً أثناء عمليات تفكيك الألغام منذ سقوط النظام، من بينهم 40 من عناصر فرق الهندسة التابعة لوزارة الدفاع السورية.

هذه العمليات تُجرى في ظل غياب خرائط رسمية لحقول الألغام، ومعظم الفرق العاملة تفتقر إلى التدريب المتخصص والمعدات التقنية اللازمة وفق المعايير الدولية، ولا يوجد حتى الآن برنامج وطني شامل لإدارة عمليات الإزالة.

يقول فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان تمثل هذه الأرقام الحد الأدنى لما وقع فعلياً، فما تزال مساحات واسعة من الأراضي السورية ملوثة بألغام لم تُكتشف بعد، ولم تُسجل مواقعها.
و تحول عمليات الإزالة ذاتها إلى مصدر للقتل، مع سقوط 47 شخصاً أثناء التفكيك، يكشف حجم الفجوة بين الاحتياجات الميدانية والإمكانات المتاحة، ويفرض إنشاء هيكل تنسيقي وطني، وتوفير تدريب منهجي ومعدات ملائمة للفرق العاملة.

يحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات العشوائية التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.
وتنص اتفاقية أوتاوا لعام 1997 على حظر شامل للألغام المضادة للأفراد، وتحظر اتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008 استخدام هذه الذخائر. سوريا ليست طرفاً في أي من الاتفاقيتين، لكن استخدام هذه الأسلحة في المناطق المأهولة يشكل انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وقد يرقى إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي إذا اقترن بعلم الجاني بأن الهجوم سيفضي إلى خسائر مدنية مفرطة.
والقانون الدولي يكفل للضحايا الحق في الحصول على سبل انتصاف فعالة وجبر مناسب، بما يشمل التعويض وإعادة التأهيل وضمانات عدم التكرار.

تجارب دولية.. البوسنة وكمبوديا نموذجان

تظهر تجارب دول عديدة مرت بحروب طويلة أن التخلص من الألغام إرادة سياسية وموارد ضخمة ووعي مجتمعي.
في البوسنة والهرسك، بعد حرب استمرت لأكثر من ثلاث سنوات (1992-1995)، بقي أكثر من 200 ألف لغم في أراضيها، واستغرق نزعها عقوداً، وما زالت بعض المناطق خطرة حتى اليوم.


في كمبوديا التي ورثت ملايين الألغام من الحرب الأهلية، دربت آلاف الأشخاص على نزع الألغام، واعتمدت برامج توعية مدرسية، لكن الأهم أنها أنشأت مراكز للعدالة الانتقالية تعمل بالتوازي مع نزع الألغام، لكسر حلقة الإفلات من العقاب.

ختاما يجب اعتماد برنامج وطني طموح لنزع الألغام يدعمه المجتمع الدولي، ويُرافق بثلاثة مسارات متوازية: مسار التعويض والرعاية الصحية والنفسية لآلاف الضحايا وعائلاتهم، ومسار التوثيق والمحاسبة لتحديد الجهات التي زرعت الألغام في المناطق السكنية، ومسار التوعية المجتمعية وإعادة تأهيل الناجين ليكونوا جزءاً من الحل.

قد يعجبك ايضا