رسالة من قلب المعرض.. الجيش السوري الجديد: علم، أمان، وانفتاح على المجتمع

8

مها محمد | DCRN

في مشهد يحمل دلالات تتجاوز حدود المكان، تحت قبة معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الأولى بعد التحرير، يقف جناح وزارة الدفاع السورية شاهداً على لحظة فارقة في تاريخ المؤسسة العسكرية وعلاقتها بالمواطن.
مشاركة هي الأولى من نوعها، لا تحمل بين طياتها رفوف كتب ولا مناهج عسكرية فحسب، بل تحمل رسالة وطنية شاملة، تعيد تعريف الدور المنشود للجيش في سوريا الجديدة.

منذ اللحظة الأولى لاقتحام الزوار أروقة المعرض، تلفت الأنظار تلك المساحة المفتوحة التي تحتضن جناح وزارة الدفاع. لا أسلاك شائكة، لا حواجز حديدية، لا ملامح جامدة. على العكس تماماً، الوجوه العسكرية هنا تبتسم، الأيادي تمتد لتحية الزائرين، العيون تتابع بحب الأطفال وهم يتدفقون نحو المحاكيات التفاعلية.

المحاكيات الحقيقية التي تعمل بتقنيات الذكاء الصناعي، والمخصصة لأسلحة مضادات الدروع، تمنح الزوار تجربة فريدة.
يجلس الطفل إلى جانب الجندي، يضع سماعات الرأس، يمسك بذراع المحاكي، ويعيش لحظة افتراضية تحول النظرية الواردة في الكتب العسكرية إلى واقع حي نابض.

الهدف الاستراتيجي للمشاركة: العلم كقاعدة لبناء المقاتل الواعي

في زاوية الجناح، يتقدم الملازم أول محمد دحنون، ضابط الجناح، ليشرح لموقع dcrn فلسفة هذه المشاركة الاستثنائية بقوله:
“هذه المشاركة لوزارة الدفاع تعتبر الأولى من نوعها في معرض دمشق الدولي للكتاب، وهي تأتي إيماناً من وزارة الدفاع بأهمية العلم ودوره الرئيسي في بناء القوة الوطنية الشاملة وبناء المقاتل الواعي”.
واضاف أن الوزارة تعرض من خلال مشاركتها في هذا الجناح الكتب والمناهج العسكرية التي تدرس للضباط والأفراد في كلياتها العسكرية، وتتيح للزوار مشاهدة وتجربة المحاكيات الحقيقية لربط التجربة النظرية في الكتب مع التجربة العملية في محاكيات الذكاء الصناعي لأسلحة مضادات الدروع.

والهدف الأعمق، كما يكشف دحنون، يتعلق بإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسة التي كانت لعقود بعيدة عنه.
من خلال حث الناس على الاقتراب من وزارة الدفاع وإلقاء نظرة عن كثب على العملية التعليمية داخل الوزارة، وإنهاء الصورة السابقة للجيش والقوات المسلحة بأنها كانت في زمن النظام البائد آلة للقتل والترهيب.
وأكد أنه يجب أن يشعر أي مواطن سوري بمجرد رؤية الزي العسكري بالأمن والأمان، وأن يكون مبعث طمأنينة وراحة بالنسبة للمواطن”.

الأطفال والجيش: كسر الحاجز ومحو الصورة النمطية

والمشهد الأكثر تأثيراً في الجناح كان الأطفال الذين يتوافدون بأعداد كبيرة، عيونهم تتسع دهشة، أياديهم الصغيرة تلمس الرتب العسكرية، يطلبون التقاط الصور مع العسكريين، مشاهد كانت كافية لترسم الابتسامة على وجوه الحاضرين.
ويشير دحنون إلى هذا الحب و الإقبال هو تأكيد النجاح لمشاركة وزارة الدفاع في معرض دمشق الدولي للكتاب، وكسر الشرخ والحاجز ما بين المواطن وعناصر وزارة الدفاع، ومحو الصورة النمطية السابقة.
الإقبال كبير وصفه مشرف الجناح بأنه فاق كل التوقعات. اصطفاف الزوار في طوابير أمام المحاكيات، تهافت الشباب على تصفح المناهج العسكرية، فضول الأكاديميين لمعرفة طبيعة التعليم داخل الكليات الحربية، كلها مشاهد رسمت لوحة مختلفة عن العلاقة بين الجيش والمجتمع.

ما لم يقل صراحة في هذه المشاركة، لكنه كان حاضراً بقوة، هو أن وزارة الدفاع تخوض اليوم معركة وعي موازية لمعركة التحرير، إنها تقدم نفسها كمؤسسة وطنية جامعة، تضع العلم في صلب مشروعها، وتفتح ذراعيها للمجتمع بعد عقود من الانغلاق وتحول من جيش يخاف منه الناس إلى جيش يأمن به الناس.
وأن يكون هذا المشهد في معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الأولى بعد التحرير، فإن لذلك دلالته العميقة، فالكتاب رمز الثقافة والعلم والانفتاح، ووجود وزارة الدفاع تحت هذه القبة يعني أن المؤسسة العسكرية تريد أن تقرأ المستقبل بعيون جديدة، تريد أن تكون جزء من المشروع الثقافي الوطني، تريد أن تقول للسوريين: الجيش لكم، منكم، وإليكم.

“شكراً كثيراً لكم، شكراً”.. كانت آخر الكلمات من عناصر الجيش، ستبقى معلقة في فضاء المعرض، تذكر الجميع بأن لحظة التحرير لا تكتمل إلا بتحرير العلاقات بين الناس ومؤسساتهم، وهذا ما بدأ يحدث اليوم، هنا، في جناح وزارة الدفاع بمعرض دمشق الدولي للكتاب.

قد يعجبك ايضا