إيران وأمريكا.. صراع الإرادات وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

1

د. عبد الباسط أبو نبوت: باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية | DCRN

تعد المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الدولية، فهي تتخطى الخلاف الدبلوماسي، لتمثل صراعاً عميقاً على النفوذ والهوية السياسية وتوازن القوى في الشرق الأوسط.


ورغم إرسال الطرفين وفوداً رفيعة المستوى تضم سياسيين وعسكريين وخبراء اقتصاديين، انتهت هذه المفاوضات إلى الفشل، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان الهدف اتفاقاً حقيقياً أم مجرد إدارة صراع مؤجل.

إقرأ أيضاً:

سوريا في قلب التحولات الحراك الدبلوماسي الجديد وآفاقه الإقليمية والدولية

مفاوضات ثقيلة وفشل بنيوي

يعكس إرسال وفود متعددة التخصصات من كلا الجانبين إدراكاً لأهمية الملف، لكن انسحاب شخصيات أمريكية بارزة من مسار التفاوض يكشف أن الفشل لم يكن تقنياً بل بنيوياً.

السبب الرئيسي يتمثل في فجوة عميقة بين الأهداف، فالولايات المتحدة تسعى إلى تغيير سلوك إيران بالكامل، بينما تحاول إيران فرض الاعتراف بها كقوة إقليمية.


التفاوض هنا لم يكن حول ايجاد حل وسط، إنما إعادة تعريف دور كل طرف في المنطقة، ويمثل البرنامج النووي الإيراني محوراً أساسياً في المفاوضات، لكنه يتجاوز كونه ملفاً تقنياً، فإيران تعتبره رمزاً للسيادة وأداة ردع، بينما ترى فيه أمريكا تهديداً استراتيجياً، والحقيقة الأعمق أن الصراع لا يدور حول النووي فقط، بل حول النفوذ الإيراني الإقليمي، وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق نووي، سيستمر الخلاف حول دور طهران في المنطقة.

مضيق هرمز والعقدة الاستراتيجية

ويبرز مضيق هرمز كأحد أهم أسباب تعثر المفاوضات، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، مما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، استخدمت إيران المضيق كورقة ضغط عبر التهديد بإغلاقه في حال التصعيد وربط أمنه برفع العقوبات، بينما اعتبرته الولايات المتحدة خطاً أحمر، مؤكدة أن حرية الملاحة غير قابلة للتفاوض.


وهنا يظهر تحول مهم: الهدف الأمريكي لم يعد إسقاط النظام الإيراني بقدر ما أصبح ضمان أمن الطاقة العالمي، مما يعني أن أي حرب محتملة قد تبرر تحت عنوان حماية الملاحة لا تغيير النظام.
كما استفادت واشنطن من الوقت لإعادة التموضع العسكري ودعم الحلفاء، بينما استغلت طهران الوقت لتعزيز قدراتها العسكرية وتثبيت نفوذها الإقليمي، فلم تكن المفاوضات نهاية للصراع بل مرحلة ضمنه.
إيران ليست عاجزة عن تقديم تنازلات، لكنها ترفض التنازل تحت الضغط، بينما تريد أمريكا تغييراً شاملاً في سلوك إيران، والمشكلة ليست تعنتاً بقدر ما هي اختلاف في تعريف التنازل المقبول.

توازن الردع والمستقبل المحتمل

تمتلك إيران أدوات قوة غير تقليدية تشمل نفوذاً إقليمياً واسعاً وقدرات صاروخية وحروباً بالوكالة، بينما تمتلك أمريكا تفوقاً عسكرياً لكنها تتجنب حرباً شاملة بسبب كلفتها العالية.

لعبت أسعار النفط دوراً مركزياً في الضغط على صادرات إيران، مما يجعل الطاقة عنصراً حاسماً في كل قرار سياسي أو عسكري. برزت محاولات لتشكيل محاور إقليمية مرنة تحكمها المصالح، حيث تسعى السعودية لاحتواء إيران دون حرب مفتوحة، بينما تتبع تركيا توازناً براغماتياً.


تدعم الصين إيران اقتصادياً لضمان الطاقة، وتدعمها روسيا سياسياً وعسكرياً لمواجهة النفوذ الأمريكي، لكن كلا البلدين لا يريد حرباً شاملة. من زاوية تحليلية أعمق، نجحت إيران في تحويل عامل الوقت إلى أداة ضغط استراتيجية على الولايات المتحدة، حيث لم تستطع واشنطن حسم المعركة بالسرعة التي كانت تطمح إليها.


أيضا طورت إيران قدرات عسكرية جديدة منحتها قدرة ردع كافية لتعقيد أي قرار عسكري أمريكي سريع، وأحد أبرز التحولات هو انتقال الخطاب الأمريكي من إسقاط النظام الإيراني إلى تأمين الملاحة وفتح مضيق هرمز، مما يعني أن واشنطن لم تعد تسعى لتغيير إيران بقدر ما تسعى إلى احتواء قدرتها على تهديد النظام الاقتصادي العالمي.


ورغم الضغوط الاقتصادية الكبيرة، أظهر الداخل الإيراني تماسكاً نسبياً أفشل رهان الضغط الأمريكي على التنازل عبر الداخل، بالتالي إيران نجحت في كسب الوقت ومنع الحسم العسكري السريع وإعادة تعريف أولويات الصراع، بينما وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام خصم لا يمكن إسقاطه بسهولة ولا إخضاعه دون كلفة عالية جداً.
إذاً الصراع لم يحسم، لكنه أيضاً لم يعد كما كان!

قد يعجبك ايضا