عبد الباسط أبو نبوت | DCRN
تشهد العلاقات السورية اللبنانية تحولاً سياسياً ودبلوماسياً لافتاً، مع تصاعد مؤشرات الانفتاح والتنسيق بين دمشق وبيروت عقب الزيارة التي أجراها رئيس الوزراء اللبناني إلى سوريا برفقة وفد وزاري رفيع، وما رافقها من لقاءات رسمية وتصريحات تؤكد رغبة الطرفين في فتح صفحة جديدة قائمة على التعاون المؤسسي والمصالح المشتركة.
تحمل هذه الزيارة دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تعكس انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة الحذر وإدارة الملفات العالقة إلى مستوى أكثر عمقاً يقوم على التعاون الاستراتيجي والتنسيق المباشر بين الوزارات والمؤسسات الرسمية في البلدين، خصوصاً في الملفات الحساسة المرتبطة بالأمن والحدود والاقتصاد.
يبدو أن دمشق وبيروت تتجهان نحو بناء آليات تنسيق مشتركة في قضايا الأمن ومراقبة الحدود ومكافحة التهريب، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التجارة والنقل والطاقة والاقتصاد، بما يحقق مصالح متبادلة للبلدين اللذين يواجهان تحديات اقتصادية وسياسية متشابهة.
كما يحضر ملف الموقوفين والسجناء السوريين في لبنان، وكذلك اللبنانيين داخل سوريا، ضمن أولويات الحوار الرسمي، إضافة إلى ملفات العدالة والتنسيق القضائي، وهي قضايا طالما شكلت نقاط توتر خلال السنوات الماضية.
يرى مراقبون أن هذا التقارب لا ينفصل عن التحولات الإقليمية الأوسع التي تشهدها المنطقة، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والسياسية، سواء المرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية المستمرة أو بالتوترات الإقليمية الناتجة عن الصراع الأمريكي الإيراني، الأمر الذي يدفع دول المنطقة إلى البحث عن صيغ تعاون وتنسيق أكثر استقراراً وفاعلية. في هذا السياق، يأتي الانفتاح السوري اللبناني كجزء من شبكة علاقات إقليمية أوسع تعمل دمشق على تعزيزها مع دول الجوار مثل الأردن وتركيا والعراق، ضمن توجه يركز على الشراكات الاقتصادية والانفتاح الدبلوماسي وإعادة بناء المصالح المشتركة على أسس جديدة.يؤكد هذا المسار أن العلاقات بين سوريا ولبنان تشهد تحولاً واضحاً مقارنة بمرحلة النظام السابق التي اتسمت بتداخل أمني وسياسي واسع وهيمنة مباشرة على القرار اللبناني، حيث كان لبنان يُعامل بوصفه ساحة نفوذ وخلفية سياسية للنظام البائد.
أما اليوم، فإن الخطاب الرسمي المتبادل يعكس توجهياً مختلفاً يقوم على احترام السيادة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع التركيز على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الطبيعية والمتوازنة بين البلدين.
في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة، تبدو الحاجة ملحة أمام سوريا ولبنان للانتقال من منطق التجاذبات السياسية إلى منطق التعاون العملي، خاصة أن الاستقرار الاقتصادي والأمني في كلا البلدين بات مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة الجانبين على بناء شراكة حقيقية ومستدامة تخدم مصالح الشعبين وتواكب التحولات الإقليمية المتسارعة.