محاكمة مجرمي الحرب تفتح ملفاً شائكاً بين أحلام الضحايا بالانتقام السريع وحقيقة بطء العدالة الإجرائية

493

مها محمد دياب | DCRN

في قاعات محكمة الجنايات بدمشق، تلتقي أنظار الجمهور بمتهم كان أمس يصدر أوامر القتل، وبضحايا ينتظرون كلمة الفصل منذ أكثر من 15 عاماً، هنا تُكتب واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخ سوريا.


في قفص الاتهام، يجلس رجل كان النظام البائد يضعه في قمة جهاز القمع، عاطف نجيب المتهم الأول في اشتعال درعا 2011، وإلى جانبه قريباً سينضم كبار المسؤولين السابقين الذين تتابع أجهزة الأمن الداخلي اعتقالهم تباعاً.


أثناء المحاكمة، تتجه الأنظار نحو القاضي، تحاول قراءة العدالة في وجهه، وتنتظر إنصافاً يلوح في الأفق بعد سنوات من الألم.

وقد أجرت DCRN التقت عدداً من الاختصاصيين لتحليل هذه المعادلة الصعبة: كيف يتعامل السوريون مع التباين بين تطلعاتهم للقصاص السريع وبين بطء الإجراءات القانونية؟ وكيف تؤثر المحاكمات العلنية في نفسية الضحايا الذين أعيد فتح جراحهم؟ وأين تقف سوريا اليوم في طريق العدالة الانتقالية المنشودة؟

التأخير في العدالة هو عنف مستدام

في حديثها لـ “DCRN” ، حذرت الأخصائية الاجتماعية رهف الزعبي أن تأخر إصدار الأحكام في مسارات العدالة الانتقالية يتحول إلى عنف مستمر يمارس ضد الضحايا وعائلاتهم، وهذا يؤدي إلى تآكل الثقة بمسار العدالة ككل، ليصبح شعورهم بأن البطء في إصدار الأحكام هو استمرار غير مباشر للإفلات من العقاب، وإن كانت العدالة ستتحقق حقاً أم أن وعودها ستبقى سراباً.

وبينت أن المحاكمات القضائية جزء أساسي منها عملية الاعتراف بالانتهاك الذي تعرض له الضحايا، وتأخرها يبقيهم في حالة من “الحداد المعلق”، حيث لا يستطيعون تجاوز الماضي ولا التخطيط للمستقبل.


والأكثر إيلاماً هو أن كل جلسة تأجيل، أو كل تأخير في صدور الحكم، يعيد للضحايا وعائلاتهم مشاعر الألم والصدمة الأولى كأنها تحدث للمرة الأولى، كما أنه قد يدفع البعض إلى التفكير في الانتقام الذاتي، لشعورهم بأن النظام القضائي لا يستجيب بسرعة كافية، وهذه الظروف تشكل تهديداً خطيراً للسلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.

كما أن استمرار شعور الضحايا بالتهميش وعدم الإنصاف قد يحولهم إلى جماعات معزولة عن النسيج المجتمعي، مما يضعف تماسك المجتمع ككل ويُحدث شرخاً بين شرائحه المختلفة.

في خضم هذه التحديات، ترى الزعبي أن الحل يكمن في تسريع الإجراءات القضائية قدر الإمكان، وإدارة توقعات الضحايا والمجتمع من خلال آليات إعلامية وتوعوية مدروسة. تقترح أن تقوم الجهات المعنية، بالتعاون مع الإعلام الوطني، بتنظيم حملات توعية واسعة تشرح للجمهور طبيعة الإجراءات القانونية المعقدة التي تمر بها قضايا جرائم الحرب، وأسباب استغراقها وقتاً طويلاً مقارنة بالقضايا الجنائية العادية.


الهدف منها إزالة الغموض حول آليات العمل القضائي، وترسيخ فكرة أن “العدالة بطيئة ولكنها تتحقق”، وأن كل يوم يمر يُقرب الضحايا خطوة إضافية نحو الإنصاف.

وتضيف الأخصائية أنه من الضروري أن تبتعد هذه الحملات عن اللغة الجافة، وأن تتوجه إلى المشاعر الإنسانية للضحايا، من خلال شهادات مصورة لقضاة ومحامين وضحايا سابقين في بلدان أخرى خاضت تجارب عدالة انتقالية مماثلة.


ويجب إنشاء منصة إعلامية خاصة لمتابعة أخبار المحاكمات، يتم تحديثها بانتظام، وتشرح بطريقة مبسطة كل مرحلة تمر بها القضايا، ليشعر الضحايا بأن هناك متابعة حقيقية وشفافية كاملة، وأن قضيتهم لم توضع في درج النسيان.

الآثار النفسية التي تتركها محاكمات مجرمي الحرب على الضحايا

من جانبه، قدم الأخصائي النفسي الدكتور نضال الكيلاني في حواره مع ” DCRN” تحليلاً للآثار النفسية التي تتركها محاكمات مجرمي الحرب على الضحايا السوريين، مستنداً إلى أبحاث دولية أجريت في سياقات مشابهة.


وأشار إلى أن الأبحاث العلمية الموثقة كشفت أن مرحلة انتظار نتائج المحاكمات تعتبر من أكثر الفترات إيلاماً نفسياً للضحايا، حيث يعاني أكثر من 85 بالمئة من الناجين من إعادة تجربة الصدمة بشكل مستمر، ويشعرون فيها وكأنهم يعودون إلى لحظات الخطر والاضطهاد التي عاشوها في الماضي، مما يضاعف من أعراض القلق ويؤدي إلى تفاقم اضطراب الكرب التالي للصدمة.


وبالنسبة لقضية عاطف نجيب، أكد أن الأثر النفسي يمتد ليشمل كامل محافظة درعا، كون المتهم يمثل رمزاً للقمع والخوف في المدينة بأكملها، وأداة من أدوات النظام البائد التي زرعت الرعب في قلوب الناس لسنوات.

وأوصى بضرورة إنشاء وحدات دعم نفسي متخصصة داخل قاعات المحكمة أو في مراكز قريبة منها، على غرار النموذج الذي طبقته الأمم المتحدة في محكمة لاهاي، وذلك لأن الأبحاث أظهرت أن واحداً من كل 5 شهود يعاني من تفاقم حاد في الأعراض النفسية بعد الإدلاء بشهادته.

وهذا يعني أن هناك حاجة ماسة لتوفير أخصائيين نفسيين مدربين في قاعة المحكمة لتقديم الإسعاف النفسي الأولي لأي ضحية تنهار أثناء الجلسة، بالإضافة إلى عقد جلسات تحضير نفسي مكثفة للشهود قبل أيام من موعد إدلائهم بشهاداتهم، لمساعدتهم على تنظيم مشاعرهم وتقليل احتمالية تعرضهم لصدمة ثانوية.

كما أكد الدكتور الكيلاني أن الدراسات الطولية التي تتبعت حالات ضحايا محاكمات يوغوسلافيا السابقة أثبتت أن برامج الدعم النفسي المستدام تحقق نتائج إيجابية ملموسة، حيث تبين أن الضحايا الذين تلقوا دعماً نفسياً منظماً كانوا أكثر قدرة على استعادة الشعور بالسيطرة على حياتهم وتقليل أعراض الاكتئاب وإعادة بناء علاقاتهم الاجتماعية.


لذلك شدد على أن الدولة السورية بحاجة إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة للدعم النفسي طويل الأمد تمتد لسنوات مع وبعد انتهاء المحاكمات، لأن جراح الماضي عميقة وتحتاج إلى وقت وجهد متواصلين للشفاء، ولا يمكن اختزالها في جلسة محاكمة أو حكم قضائي.

وقدم مجموعة من الاقتراحات العملية للتعامل مع الضحايا السوريين نفسياً، تشمل توفير خط ساخن مجاني يعمل على مدار الساعة لتلقي استفسارات من الضحايا وعائلاتهم، وإنشاء مراكز دعم نفسي مجتمعية في كل محافظة تقدم جلسات فردية وجماعية مجانية، وتدريب الأطباء والممرضين على اكتشاف الأعراض النفسية للصدمات وتقديم الإحالات المناسبة، وتنظيم ورش عمل توعوية في المناطق المتضررة تشرح طبيعة ردود الفعل النفسية المتوقعة خلال فترة المحاكمات، ودمج برامج الدعم النفسي مع الخدمات القانونية المقدمة للضحايا بحيث يحصلون على حزمة متكاملة في مكان واحد.

القضاء مستقل وإجراءاته تحمي الحقوق رغم بطئها

وعلى الصعيد القانوني، أكد المحامي فراس حميدو لـ “DCRN” أن التأخير الظاهر في إجراءات محاكمات مجرمي الحرب ليس ناتجاً عن تقاعس أو إهمال، إنما يعود لطبيعة الإجراءات القانونية المعقدة التي تهدف إلى حماية حقوق المتهمين وضمان سلامة الأحكام ومنع الطعن عليها مستقبلاً.

وبين أن قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري يحدد بدقة سلسلة الإجراءات الإلزامية التي يجب اتباعها، مشدداً على أن الالتزام الصارم بهذه الإجراءات هو الضمانة الوحيدة لعدم نقض الأحكام لاحقاً، فالحكم السريع الذي يُبنى على إجراءات ناقصة قد يسقط بالكامل أمام محكمة النقض.

وبين أن مراحل المحاكمة أمام محكمة الجنايات في سوريا تنظمها مجموعة من الإجراءات القضائية التي يحددها قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر بالمرسوم رقم 112 لعام 1950 وتعديلاته، الذي يهدف إلى الفصل في القضايا الخطيرة التي تزيد عقوبتها عن ثلاث سنوات، حيث تتولى النيابة العامة مهمة التحقيق الأولي، ثم تحيل القضية إلى قاضي التحقيق الذي يقوم باستجواب المتهم ويصدر بدوره قرار الإحالة إلى محكمة الجنايات إذا توافرت الأدلة الكافية لاتهامه.

وتبدأ إجراءات المحاكمة الفعلية في جلسات علنية، إلا في حالات استثنائية نادرة، ويتمتع رئيس المحكمة بسلطة واسعة لتنظيم الجلسة وضبط سيرها. تمر هذه الإجراءات بسلسلة مترابطة من المراحل، يبدأ رئيس المحكمة بفحص الحضور والتأكد من حضور المتهم (ويُجلب من السجن إذا كان موقوفاً)، ومن حضور وكلاء الدفاع، وممثل النيابة العامة، والمدعي الشخصي إن وجد.


بعد ذلك، يتلو كاتب المحكمة قرار الاتهام الصادر عن قاضي الإحالة، ثم يستجوب رئيس المحكمة المتهم ويسأله عن الاعتراف أو الإنكار، مع التشديد على ضرورة حضور محام مع المتهم لضمان حقه في الدفاع. لتأتي بعد ذلك مرحلة سماع الشهود وعرض الأدلة والإثباتات، حيث تستمع المحكمة إلى شهود النيابة العامة، ثم إلى شهود الادعاء الشخصي والدفاع، ويحق لمحامي الدفاع مناقشة جميع الشهود واستجوابهم.

كما يتم عرض التقارير الطبية والخبرات الفنية والأدلة المادية كالوثائق والتسجيلات، ثم يستمع القضاة إلى المرافعات الختامية التي يقدمها ممثل النيابة العامة والمدعي الشخصي ومحامي الدفاع.


وبعد ذلك، تختتم المحاكمة ويصدر الحكم في جلسة علنية، إما بالإدانة وتحديد العقوبة، أو بالبراءة وإخلاء سبيل المتهم.

وفي حالة غياب المتهم، يجري التمييز بين حالتين: إذا كان طليقاً وعلم بموعد الجلسة ثم تخلف عنها دون عذر مقبول، تجري المحاكمة غيابياً، وهذا ما يظهر جلياً في المحاكمات العامة الحالية لرموز النظام السابق الفارين.


أما إذا كان المتهم موقوفاً ثم هرب من سجنه، فيمكن للقضاء أن يعيد محاكمته وجاهياً باعتباره فاراً، مع تطبيق عقوبات أشد ومدد تقادم أطول. تجدر الإشارة إلى أن أحكام الجنايات لا تقبل الاستئناف، لكن يمكن الطعن فيها بالنقض خلال ثلاثين يوماً أمام محكمة النقض، وهي المحكمة التي تنظر في مخالفات القانون والإجراءات لا في وقائع القضية، ولها أن تنقض الحكم أو تصدر حكماً مبرماً.

وختم كلامه بالتأكيد على أن القضاء السوري يتمتع باستقلالية كاملة عن أي ضغوط شعبية، فهو السلطة التي تنظر في القانون لا في العواطف وهذه ركيزة أساسية للعدالة.


ورغم بطء الإجراءات إلا أن القاضي في محكمة الجنايات لا يمكنه الخروج عنها إرضاءً للرأي العام لأن أي انحراف عنها سيتحول إلى سلاح بيد محامي الدفاع للنقض وبطلان المحاكمة.


ونصح الضحايا بضرورة التعاون مع القضاء واحترام إجراءاته مع الصبر لأن العدالة تحتاج وقتاً، مؤكداً أن العدالة قادمة لا محالة.

قد يعجبك ايضا