د.عبد الباسط أبو نبوت | DCRN
يشهد الحراك الدبلوماسي السوري منذ مطلع عام 2025 تحولاً كبيراً يعكس ملامح مرحلة سياسية جديدة، تسعى فيها الدولة السورية إلى إعادة بناء حضورها الخارجي وترميم علاقاتها الدولية بعد سنوات طويلة من العزلة والتوترات السياسية.
منذ سقوط النظام البائد في ديسمبر 2024، بدأت الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، ووزارة الخارجية بقيادة أسعد الشيباني، حملة دبلوماسية واسعة لإعادة افتتاح السفارات والقنصليات السورية حول العالم، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وخدمية وإنسانية في آن واحد.
لا يقتصر هذا الحراك الدبلوماسي على إعادة رفع العلم السوري فوق المباني الدبلوماسية، بل يمثل محاولة واضحة لإعادة تقديم سوريا بصورة جديدة أمام المجتمع الدولي، وإثبات قدرة مؤسسات الدولة على استعادة دورها والانخراط مجدداً في شبكة العلاقات الإقليمية والدولية.
كان عام 2026، الذي وصفه مراقبون بـ”عام البعثات الجديدة”، شاهداً على سلسلة من الخطوات العملية التي هدفت إلى تفعيل الوجود القنصلي السوري في عدة دول. ففي المملكة العربية السعودية، تم افتتاح القنصلية العامة السورية في جدة رسمياً في السابع من مايو 2026، بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً، في مشهد حمل دلالات سياسية تتعلق بعودة الدفء إلى العلاقات السورية السعودية وتعزيز التنسيق العربي المشترك.
أما في ألمانيا، فقد أعيد افتتاح القنصلية السورية في بون خلال فبراير 2026 لخدمة الجالية السورية الكبيرة هناك، في خطوة تعكس توجهاً نحو تعزيز التواصل مع السوريين في أوروبا وتقديم خدمات قنصلية مباشرة تخفف عنهم أعباء السفر والإجراءات الطويلة.
وفي المملكة المتحدة، أُعيد فتح السفارة السورية في لندن بعد إغلاق استمر أكثر من عقد، بينما تتواصل التحضيرات في تركيا لافتتاح قنصلية سورية في غازي عنتاب، بالتوازي مع مباحثات لإعادة فتح السفارة السورية في أنقرة.
كذلك بدأت خطوات أولية لإعادة تفعيل العمل القنصلي السوري في الولايات المتحدة الأمريكية، في مؤشر على انفتاح تدريجي نحو إعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق.
تقوم وزارة الخارجية السورية ضمن هذه المرحلة بتنفيذ خطة شاملة تهدف إلى توسيع شبكة التمثيل الدبلوماسي السوري حول العالم، من خلال رفع عدد البعثات الدبلوماسية والقنصلية من 54 إلى نحو 70 بعثة، إضافة إلى إطلاق مشاريع للتحول الرقمي في العمل القنصلي عبر منصات إلكترونية تهدف إلى تسهيل الخدمات وتحقيق الشفافية وإنهاء مظاهر الازدحام والتعقيد الإداري. كما تسعى الوزارة إلى استقطاب كوادر دبلوماسية جديدة تعبّر عن هوية سوريا الجديدة، عبر إجراء مقابلات واختبارات لآلاف المتقدمين بهدف بناء جهاز دبلوماسي أكثر كفاءة وقدرة على التواصل مع العالم بلغته السياسية والاقتصادية والثقافية الحديثة.
إعادة افتتاح القنصليات والسفارات السورية تتخطى البعد السياسي، لتعكس أيضاً إدراكاً متزايداً لدى كثير من الدول لأهمية التعاون مع دمشق في ملفات إقليمية متعددة، من بينها قضايا اللاجئين ومكافحة الإرهاب والتنسيق الاقتصادي وإعادة الإعمار والتبادل التجاري. في الجانب الإنساني، يشكل هذا الحراك انفراجة مهمة للمواطن السوري المقيم في الخارج، إذ باتت القنصليات الجديدة تمثل جسوراً مباشرة بين السوريين ووطنهم، وتوفر لهم خدمات الوثائق والمعاملات الرسمية بصورة أكثر سهولة وسرعة، ما يعزز شعورهم بالانتماء والاستقرار.
استطاعت الدبلوماسية السورية خلال فترة قصيرة أن تنتقل من مرحلة الدفاع السياسي إلى مرحلة المبادرة والانفتاح، مستفيدة من خطاب جديد يقوم على البراغماتية والتعاون واحترام المصالح المشتركة. تبدو السياسة الخارجية السورية اليوم تسعى إلى فرض حضورها بهدوء وثقة، عبر بناء شراكات جديدة وإعادة إحياء العلاقات القديمة، بما يخدم مصالح الدولة السورية ويعزز مكانتها في النظامين العربي والدولي.
في ظل هذه المتغيرات، تبدو سوريا مقبلة على مرحلة دبلوماسية مختلفة، عنوانها إعادة التموضع والانفتاح واستعادة الدور، حيث تتحول القنصليات والسفارات من مجرد مؤسسات خدمية إلى أدوات فاعلة في إعادة وصل سوريا بالعالم، وإثبات أن الدولة السورية قادرة على النهوض مجدداً وبناء علاقات متوازنة تخدم شعبها وتعيد لها حضورها الطبيعي بين الدول.