تحالفات الطاقة في زمن الأزمات.. صراع نفوذ وإعادة تموضع دولي

88

د. عبد الباسط أبو نبوت | DCRN

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والسياسية، برزت مؤشرات على إعادة تموضع الإمارات العربية المتحدة داخل خارطة الطاقة العالمية، وسط حديث متزايد عن تراجع التزامها بمنظومة “أوبك+”، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة وضغوط تجارية غير مسبوقة.

خلفية الأزمة.. حرب تعيد تشكيل الأسواق

جاء هذا التحول في سياق تداعيات الحرب الأخيرة التي وضعت الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع إيران، ما أدى إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة، خصوصاً مع التهديدات المتكررة لأمن مضيق هرمز، أحد أهم شرايين النفط العالمية.


هذه التطورات رفعت أسعار النفط والغاز بشكل كبير، لكنها في الوقت ذاته أوجدت حالة من عدم اليقين، دفعت الدول المنتجة إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها، ليس فقط لتعويض خسائر الحرب، بل أيضاً لتعظيم مكاسبها في سوق متقلب.

أوبك+ بين التماسك والانقسام

تُعد “أوبك+” تحالفاً يضم كبار منتجي النفط، وعلى رأسهم السعودية وروسيا، إلى جانب دول مثل العراق ونيجيريا، وقد لعب هذا التحالف دوراً محورياً في ضبط إيقاع السوق عبر سياسات خفض ورفع الإنتاج.
غير أن التباينات بدأت تظهر بوضوح، خصوصاً بين أبوظبي والرياض، حيث تسعى الإمارات إلى زيادة حصتها الإنتاجية والاستثمارية، في مقابل تمسك السعودية بسياسات أكثر تحفظاً لضبط الأسعار.


تسعى الإمارات إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للطاقة والاستثمار، وهو ما يدفعها إلى التحرر من القيود التي تفرضها سياسات الإنتاج الجماعي داخل “أوبك+”، وهذا التوجه يعكس رغبة في تحقيق استقلالية أكبر في اتخاذ القرار الاقتصادي، خصوصاً في ظل المنافسة الإقليمية مع السعودية.


كما أن أبوظبي تدرك أن المرحلة المقبلة لن تكون فقط للنفط التقليدي، بل لمزيج من الطاقة يشمل الغاز والهيدروجين والطاقة المتجددة، ما يتطلب مرونة أكبر في السياسات.

تحالفات طاقوية جديدة

في موازاة ذلك، تتجه الإمارات نحو بناء تحالفات جديدة خارج الإطار التقليدي، من بينها محور طاقوي يضم الهند وإسرائ يل، مع انفتاح على دول مثل إثيوبيا وأوغندا وكازاخستان، وحتى كيانات مثل صوماليلاند.
هذا المحور يسعى إلى إنشاء ممرات طاقة بديلة تربط آسيا بأوروبا، متجاوزة نقاط الاختناق التقليدية، وعلى رأسها مضيق هرمز، عبر مشاريع تمر من الأردن وسوريا وتركيا وصولاً إلى أوروبا.


تحاول إسرائ يل أن تفرض نفسها كمركز عبور للطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتنامية مع دول الخليج، فهي تعمل على تطوير مسارات متعددة: خط نحو أوروبا، وآخر نحو الهند، وربما ربطها بمبادرات صينية ضمن “الحزام والطريق”، وهذا الطموح يتقاطع مع المصالح الإماراتية، ما يعزز التقارب بين الطرفين، لكنه في الوقت ذاته يثير حساسية لدى أطراف أخرى في المنطقة.
لم تعد الخلافات بين السعودية والإمارات مجرد تباينات في وجهات النظر، بل تحولت إلى منافسة صريحة على النفوذ الاقتصادي والاستثماري في المنطقة، فالرياض تسعى إلى جذب الاستثمارات العالمية وتعزيز دورها كمركز إقليمي، بينما تعمل أبوظبي على الحفاظ على تفوقها الحالي وتوسيعه، وهذا التنافس ينعكس بشكل مباشر على سياسات الطاقة، وعلى المواقف داخل “أوبك+”.

تداعيات الانسحاب والسيناريوهات المحتملة

إذا مضت الإمارات فعلياً في مسار الابتعاد عن “أوبك+”، فإن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف تماسك التحالف النفطي العالمي، وزيادة التقلبات في أسعار النفط، وفتح الباب أمام تحالفات طاقوية بديلة، وتصاعد التنافس داخل الخليج، كما قد يدفع دولاً أخرى إلى إعادة تقييم مواقعها داخل التحالف، خصوصاً في ظل التغيرات السريعة في سوق الطاقة.

من السيناريوهات المحتملة:
إعادة التوازن داخل “أوبك+” عبر تقديم تنازلات للإمارات للحفاظ على وحدة التحالف، أو تشكل تكتلات طاقوية جديدة تقودها قوى إقليمية خارج الإطار التقليدي، أو تصعيد التنافس الخليجي مع انعكاسات على الاستثمارات والأسواق، أو تحول استراتيجي نحو الطاقة البديلة يقلل من أهمية النفط على المدى الطويل.

ختاماً إن ما يجري اليوم يتخطى كونه خلافاً داخل منظمة نفطية، إنما هو جزء من إعادة تشكيل أوسع لخارطة الطاقة العالمية.


الإمارات تحاول أن ترسم لنفسها دوراً جديداً، يتجاوز حدود التحالفات التقليدية، في عالم يتغير بسرعة، ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه الاستراتيجية في تعزيز مكانة أبوظبي، أم أنها ستفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع على النفوذ في المنطقة؟

قد يعجبك ايضا