أسبرين.. 129 عاماً من الإبداع الألماني الذي غير وجه الطب

4

قبل 129 عاماً، وتحديداً في عام 1897، كان يجلس الكيميائي الألماني الشاب فيليكس هوفمان في مختبر شركة باير في مدينة إلبرفيلد غرب ألمانيا، لم يكن يعلم أن ما يعمل عليه سيغير عالم الطب إلى الأبد.


ففي تلك الأثناء كان يحاول مساعدة والده الذي كان يعاني من آلام التهاب المفاصل الروماتيزمي الحادة، العلاج المتوفر آنذاك كان حمض الساليسيليك المستخلص من لحاء الصفصاف، وهو فعال في تخفيف الألم لكنه كان يسبب تهيجاً شديداً في المعدة لدرجة أن كثيراً من المرضى كانوا يفضلون تحمل الألم على تحمل آثاره الجانبية.

هوفمان، الذي تأثر بمعاناة والده، سعى إلى إيجاد صيغة أكثر أماناً، وبعد تجارب عديدة، نجح في إضافة مجموعة الأسيتيل إلى حمض الساليسيليك، منتجاً مركباً جديداً أطلق عليه حمض أسيتيل الساليسيليك.
والمفاجأة أن هذا المركب احتفظ بخصائصه المسكنة والمضادة للالتهاب، وأصبح أقل إزعاجاً للمعدة.

بعد أن أثبتت التجارب فعاليته، بدأت شركة باير في الترويج للدواء الجديد، وفي 6 آذار عام 1899، سجلت العلامة التجارية “أسبرين” في مكتب براءات الاختراع الإمبراطوري في برلين.

جاء الاسم مبتكراً، فالـ “أ” تشير إلى “أسيتيل”، و”سبيرين” مشتقة من “سبيريا” (Spiraea)، وهو الاسم اللاتيني لنبات المروج الذي يعد مصدراً بديلاً لحمض الساليسيليك.

وسرعان ما انتشر الأسبرين في جميع أنحاء العالم، وأصبح باير اسماً مألوفاً بفضله، حتى أنه معروف لدى 60% من الأميركيين و79% من الألمان.

خلف هذا الاكتشاف قصة إنسانية مؤثرة، فالدافع الأساسي لهوفمان كان تخفيف معاناة والده، مما جعل الأسبرين، رمزاً للعناية الأسرية والابتكار من أجل البشرية.


وعلى الرغم من الجدل التاريخي حول من يستحق الفضل الكامل في هذا الاكتشاف، فهناك من يشير إلى دور زميله آرثر أيشنغرون، إلا أن سجلات المختبر المؤرخة في 10 آب 1897 تؤكد دور هوفمان في تحقيق أول توليفة نقية ومستقرة كيميائياً من حمض أسيتيل الساليسيليك.

مع مرور الزمن، تخطى الأسبرين كونه مجرد مسكن عادي، ففي ثمانينيات القرن العشرين، اكتشف العلماء قدرته على تثبيط تخثر الدم ومنع تكون الجلطات.

هذا الاكتشاف أحدث ثورة في الوقاية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية، مما جعل الأسبرين دواءً أساسياً في صيدليات الطوارئ وحتى في الفضاء، حيث صعد إلى القمر مع طاقم أبولو 11.

ولا يزال الأسبرين حتى اليوم حاضراً في كل منزل تقريباً، وتستهلك البشرية منه سنوياً ما يقدر بـ 100 مليار قرص، وقد تطورت أشكاله من المسحوق في قوارير زجاجية إلى أقراص فوارة ومضغية تلبي احتياجات العصر الحديث.

ويثبت العلم الحديث فعاليته في مجالات جديدة مثل الوقاية من أنواع معينة من السرطان، مما يعني أن قصة الأسبرين مستمرة معنا.

وفي الذكرى التاسعة والعشرين بعد المئة على هذا الاختراع، يبقى الأسبرين نموذجاً يحتذى به في صناعة الدواء، قصة نجاح ألمانية خالدة، وإرث علمي يترجم رؤية باير العلم من أجل حياة أفضل.

قد يعجبك ايضا