محمد جمال | DCRN
لا تُدارُ الحروبُ دائماً وفقَ القواعدِ التي تُدرَّسُ في الأكاديميات العسكرية، أحياناً تُكتبُ فصولُها بقراراتٍ مفاجئة، وبشخصياتٍ تميلُ إلى كسرِ النمط، وتفضّلُ المغامرةَ على التردّد. في هذه المساحةِ تحديداً، يتحرّكُ دونالد ترامب لا يطمئنُّ إلى التدرّج، ولا يثقُ كثيراً بفكرةِ «إدارة الأزمات» بقدرِ ما يميلُ إلى «حسمها» أو دفعها إلى حافةٍ حادّة.
إيران خصم سياسي أم عدو؟
لم تكن إيرانُ، في أيّ وقتٍ، خصماً تقليدياً هي مشروعٌ يتجاوزُ الدولةَ إلى فكرةٍ، ويتجاوزُ الحدودَ إلى شبكةٍ. لذلك، لم يكن غريباً أن تبني استراتيجيتَها على مراكمةِ النفوذِ الهادئ، وتجنّبِ المواجهةِ المباشرةِ مع القوى الكبرى.
كانت تُجيدُ لعبةَ «الاقتراب من الهاوية دون السقوط فيها»، وتُتقنُ توزيعَ الأدوارِ بين أذرعٍ متعددة، بحيث لا تتحمّلُ وحدها كلفةَ الاشتباك.
لكنّ المشكلةَ في هذه الاستراتيجية أنّها تفترضُ دائماً أنَّ الطرفَ الآخرَ عقلانيٌّ بالقدرِ نفسه، وحذرٌ بالقدرِ نفسه. وهنا تحديداً وقعَ الالتباس، إذ بدا أنَّ طهرانَ قرأت واشنطنَ بعينِ الماضي، لا بعينِ الحاضر. لم تنتبه بما يكفي إلى أنَّ الرجلَ في البيت الأبيض لا يُشبهُ من سبقوه، ولا يضعُ الخطوطَ الحمراءَ في المكانِ نفسه.
على مدى سنوات، نجحت إيرانُ في مدِّ خيوطِ نفوذها عبر خرائطَ متباعدة. من بغدادَ إلى دمشقَ، ومن بيروتَ إلى صنعاء، نشأت بنيةٌ معقّدةٌ من القوى الحليفة، أو ما يُسمّى بـ«الجيوش الرديفة». هذه البنية لم تكن مجرّد أدواتٍ عسكرية، بل كانت جزءاً من هندسةِ نفوذٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ واقتصاديٍّ طويلِ الأمد. وقد وفّرت لطهرانَ قدرةً على التأثيرِ دون الانكشاف، وعلى الضغطِ دون تحمّلِ المسؤولية المباشرة.
من المناورة إلى الورطة الحرجة
غير أنَّ هذه «الميزة» تحوّلت تدريجياً إلى عبء. فحين تتعدّدُ الجبهات، يصبحُ ضبطُ الإيقاعِ أكثرَ صعوبة. وحين تتكاثرُ الأدوات، يزدادُ احتمالُ الخطأ في التقدير. هكذا، لم تعد كلُّ الرسائلِ التي تُطلقها هذه القوى محسوبةً بدقّة، ولا كلُّ التصعيداتِ قابلةً للاحتواء.
في المقابل، بدا أنَّ واشنطنَ انتقلت من سياسةِ الاحتواءِ الطويلِ إلى اختبارِ «الصدمة». الضرباتُ لم تعد رمزية، والرسائلُ لم تعد مبطّنة. هناك محاولةٌ واضحةٌ لإعادةِ رسمِ قواعد الاشتباك، بل وربما لإعادةِ تعريفِ التوازنِ نفسه في المنطقة.
خطأ كبير وثمن قاتل
في هذا السياق، يمكنُ القول إنَّ الخطأَ الأكبرَ الذي وقعت فيه إيرانُ لم يكن في توسيعِ نفوذها، بل في سوءِ تقديرِ اللحظة التي قد يُقرَّر فيها وضعُ حدٍّ لهذا التوسّع. فقد تعاملت مع الوقتِ بوصفِه حليفاً دائماً، فيما كان يتحوّلُ تدريجياً إلى عاملِ ضغطٍ عليها.
الخطأُ الثاني تمثّل في الإفراطِ في استخدامِ أوراقِ القوة. فحين تُستخدمُ الصواريخُ والمسيّراتُ في أكثرَ من ساحة، وبوتيرةٍ مرتفعة، تفقدُ هذه الأدواتُ جزءاً من تأثيرها الرادع، وتتحوّلُ إلى مبرّرٍ جاهزٍ لردودٍ أقسى.
أما الخطأُ الثالث، فكان في الاعتقادِ بأنَّ الممرّاتِ الحيوية، كالمضائق البحرية، يمكن أن تبقى رهينةً للتهديدِ دون أن يستدعي ذلك ردّاً دولياً واسعاً. العالمُ قد يختلفُ على كثيرٍ من القضايا، لكنه نادراً ما يتسامحُ مع ما يمسُّ شرايينَ الاقتصاد.
اليوم، تقفُ المنطقةُ أمام مفترقٍ دقيق. ليس واضحاً بعدُ إلى أيّ مدى يمكن أن تذهبَ هذه المواجهة، ولا كيف ستنتهي. لكنّ الواضح أنَّ قواعدَ اللعبةِ القديمة لم تعد صالحةً كما كانت. هناك محاولةٌ لإعادةِ ضبطِ التوازن، وربما لفرضِ واقعٍ جديد.
ماذا لو نجح الضغط؟
إذا نجحت الضغوطُ العسكريةُ والسياسيةُ في تقليصِ قدرةِ إيرانَ على التحرّك عبر شبكتها الإقليمية، فإنَّ ذلك لن ينعكسَ فقط على نفوذها الخارجي، بل قد يمتدُّ إلى الداخلِ نفسه. فالمشاريعُ الكبرى، حين تتراجعُ في الخارج، تبدأُ عادةً بمراجعةِ حساباتها في الداخل.
في المقابل، إذا تمكّنت طهرانُ من امتصاصِ الضربةِ وإعادةِ ترتيبِ أوراقها، فإنها ستخرجُ بنسخةٍ أكثرَ حذراً، وربما أكثرَ ميلاً إلى التفاوض، لكن من موقعٍ مختلف.
بين هذين الاحتمالين، تبقى حقيقةٌ واحدة: أنَّ المنطقةَ دخلت مرحلةً جديدة، عنوانُها اختبارُ حدودِ القوة، لا استخدامها فقط. وفي مثلِ هذه المراحل، لا يكفي أن تملكَ أدواتِ النفوذ، بل يجبُ أن تُحسنَ توقيتَ استخدامها، وأن تعرفَ متى تتقدّم، ومتى تتراجع.
ذلك أنَّ الخطأَ في التوقيت، في عالمِ الصراعات، قد يكونُ أكثرَ كلفةً من الخطأ في القرار نفسه.
