د.عبد الباسط أبو نبوت | DCRN
شكلت العلاقات السورية المصرية أحد الأعمدة الأساسية في منظومة العمل العربي المشترك، ليس فقط بحكم الثقل السياسي والتاريخي للبلدين، إنما أيضاً بسبب الدور الذي لعباه معاً في لحظات مفصلية من تاريخ المنطقة.
من تجربة الوحدة في منتصف القرن العشرين إلى التنسيق السياسي في مراحل مختلفة، ظل هذا الخط الرابط بين دمشق والقاهرة حاضرا، وإن بدرجات متفاوتة من القوة والفتور.
في المرحلة الراهنة، تعيد هذه العلاقة تشكيل نفسها وفق معادلات جديدة تحكمها المصالح الواقعية أكثر من الاعتبارات الأيديولوجية، فبعد سنوات من التباعد الحذر بدأت مؤشرات التقارب تظهر تدريجياً، مدفوعة بتحولات إقليمية ودولية فرضت على الطرفين إعادة تقييم مواقفهما.
المصالح المشتركة بين دمشق والقاهرة
من الجانب المصري، تنطلق النظرة إلى سوريا أساساً من زاوية الأمن القومي، إذ ترى القاهرة في استقرار الدولة السورية ضرورة لتفادي امتداد الفوضى أو تصاعد تهديدات الجماعات المتطرفة، خاصة في ظل تجربة المنطقة بعد عام 2011.
كما تميل مصر تقليدياً إلى دعم نموذج “الدولة الوطنية المركزية” وتتحفظ على سيناريوهات التفكك أو تعدد مراكز القوة، وفي المقابل، تدرك سوريا أهمية الدور المصري في إعادة التوازن إلى علاقاتها العربية، فالقاهرة تمثل بوابة سياسية مهمة نحو استعادة الحضور العربي، كما أن ثقلها الإقليمي يمنح أي تقارب معها بعداً يتجاوز الثنائية ليصل إلى التأثير في المشهد العربي الأوسع.
اقتصادياً، تحمل العلاقة فرصاً واعدة لكنها ليست خالية من التعقيد، وإعادة إعمار سوريا تفتح المجال أمام الشركات المصرية، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة، إلا أن هذا التعاون يترافق مع نوع من التنافس غير المعلن على جذب الاستثمارات العربية، خصوصاً من دول الخليج.
أما على المستوى الأمني، فيبقى التعاون بين البلدين عنصراً أساسياً في بناء الثقة، فملفات مثل مكافحة الإرهاب وضبط شبكات التهريب تمثل أرضية مشتركة يمكن أن تبنى عليها شراكة عملية، حتى في ظل غياب تحالف سياسي كامل.
مسار تدريجي وليس اندفاعة نحو تحالف شامل
مع أن مؤشرات إيجابية بدأت تظهر، لا يمكن القول إن العلاقات وصلت إلى مرحلة الاستقرار الكامل أو العمق الاستراتيجي، فما زالت هناك حالة من الحذر المتبادل تعكس سنوات من التباعد واختلاف المقاربات.
يبدو المسار الحالي أقرب إلى تقارب تدريجي قائم على خطوات محسوبة، بدلاً من اندفاعة سريعة نحو تحالف شامل.
العلاقات السورية المصرية اليوم تدار بعقلية براغماتية واضحة: الأمن أولاً، الاقتصاد ثانياً، والسياسة أداة لتحقيق التوازن بينهما، وهي علاقة مرشحة للتطور، لكن ضمن حدود المصالح الواقعية لا الطموحات المثالية.
العلاقات مع الجوار العربي
أعيد إحياء العلاقات مع تركيا ودول الخليج والأردن بسرعة ومن دون تردد على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ومع لبنان هناك توافق جيد، لكن الأزمات الداخلية اللبنانية تؤثر على سرعة عودتها الكاملة مع سوريا.
أما بالنسبة للعراق، فقد بدت العلاقة أشبه بأمر واقع، بين الخوف والتردد السياسي والأمني، إلا أن العامل الاقتصادي ساهم في تحريكها إلى جانب التعاون في ملفي “دااش” والمخدرات.
وفي المقابل، بقيت العلاقات مع مصر راكدة ولم تشهد تحركاً يُذكر، إذ سادها التردد والخوف أحياناً، كما أن غياب الحدود المشتركة جعل العمل على استئنافها يأخذ وقتاً أطول.
غير أن لقاء الرئيس أحمد الشرع بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قبرص، ثم زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى القاهرة، شكل مؤشرات واضحة على بدء تحرك هذه العلاقة، مع ذلك، لا يمكن الجزم بأنها عادت بالكامل، وهذا مستبعد بهذه السرعة، لكنها تسير في هذا الاتجاه، والأهم هو تجاوز القطيعة أو التردد بغض النظر عن عمق العلاقات في هذا الوقت.