بالسلامة نعايد عمال الوطن

574

د.محمد إياد الزعيم | DCRN

عندما يتزامن “اليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية” في 28 نيسان مع “اليوم العالمي للعمال” في الأول من أيار، تتجسد حقيقة أن بناء الأوطان يبدأ من الاهتمام بالإنسان.


هذا التكامل يؤكد أن الاحتفاء بالعمال يشمل الاعتراف بفضلهم وتأمين بيئة عمل كريمة وآمنة لهم، إضافة إلى تعزيز ثقافة تقييم المخاطر لضمان استدامة العطاء.

يحمل الأول من أيار تاريخاً نضالياً طويلاً خاضته الجماهير العمالية في العالم، تعود جذوره إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى عام 1886 في الولايات المتحدة، حيث خرج مئات الآلاف من العمال في مسيرات حاشدة للمطالبة بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يومياً. تلك المطالب الجوهرية نادت بحق العامل في حياة كريمة تسمح له بالراحة ورعاية أسرته.

تكريم العمال السوريين عبر التاريخ

وتمتلك سوريا إرثاً عريقاً في العمل والإنتاج، حيث يشكل العمال والحرفيون بمختلف تخصصاتهم العمود الفقري للاقتصاد والمجتمع. العمل في سوريا يمثل رسالة إنسانية ووطنية ووسيلة لكسب العيش.


فيما يلي نماذج من هذه القصائد الملهمة:

في أحد الأزقة الضيقة لحي باب شرقي الدمشقي العريق، وتحديداً في “خان الجلود”، يقع متجر صغير يمتلئ برائحة المعدن وصوت المطرقة. هناك يجلس يوسف الحامد (46 عاماً)، أحد أمهر الحرفيين في صناعة المعادن، منحنياً على قطعة من النحاس ليحولها إلى تحفة فنية.


هو حارس لإرث يمتد لقرون، ورث المهنة عن آبائه وأجداده، ويكرس يومه لتطعيم الفضة والنحاس لصنع الأوعية والمزهريات وأباريق القهوة التقليدية.
ورغم الحرب والأزمة الاقتصادية وصعوبات التصدير، يظل الحامد متمسكاً بمهنته، بل يعلمها لأبنائه خوفاً عليها من الاندثار، وهو يمثل نموذجاً للعامل السوري الذي يقاوم بصبره وإبداعه كل الظروف ليحافظ على الهوية الثقافية لبلده.

بينما يقف الحرفي محمد الحلاق أمام فرنه المتوهج لساعات طويلة في ورشة صغيرة بمنطقة باب شرقي، حيث بدأ العمل في هذه المهنة منذ أن كان في التاسعة من عمره، ورثها عن أجداده.


يحمل الحلاق أنبوباً معدنياً طويلاً ينفخ فيه ببراعة ليصنع أروع قطع الزجاج اليدوي، في محاولة منه للحفاظ على أقدم الحرف الدمشقية التي كادت أن تندثر، معتبرها شغفاً وهوية يستمر في ممارستها رغم التحديات والصعوبات.

أما الطيار محمد فارس تدرج في عمله كطيار عسكري، وكان واحداً من آلاف العاملين في سلاح الجو الذين يبذلون جهداً يومياً للحفاظ على سماء الوطن.
قاده تفانيه وإخلاصه في عمله ليصبح أول سوري وثاني عربي يصعد إلى الفضاء عام 1987 على متن مركبة “سايوز TM-3″، تحديه وطموحه أثبت أن العامل السوري قادر على بلوغ النجوم.

كما تمثل قصة خلد العظم واحدة من أروع قصص الصعود الاجتماعي في تاريخ سوريا الحديث،حيث بدأ احياته العملية موظفاً بسيطاً في مصلحة السكك الحديدية في العهد العثماني، ومن خلال عمله الدؤوب في هذا القطاع الحيوي، تعلم الانضباط وأدرك أهمية ربط المدن والقرى ببعضها.


و بعد الاستقلال، ارتقى العظم تدريجياً ليصبح أحد أهم رجال الدولة، وتولى رئاسة الوزراء في الخمسينيات، قصته تثبت أن الاستثمار في العمال وتطويرهم ينتج قادة عظماء يساهمون في بناء مؤسسات الدولة.

ولا ننسى في ستينيات القرن الماضي، ومع بدء العمل في أحد أضخم المشاريع التنموية في سوريا، تجمع الآلاف من المهندسين والفنيين والعمال في منطقة نائية لبناء سد الفرات، واجه هؤلاء العمال تحديات جسيمة، بدءً من طبيعة الأرض وصعوبة الطقس وصولاً إلى ضخامة العمل الهندسي.


عمل أكثر من 1300 عامل في هذا الصرح لتوليد الطاقة وتأمين مياه الشرب والري لملايين السوريين، هذا الإنجاز الهندسي كان ثمرة جهد جماعي لعمال سوريين ساهموا في إنشاء أحد الركائز الأساسية للاقتصاد السوري الحديث.

ختاماً نقول أن القوة العاملة أعظم ثروة لأي وطن، والحرفيون الذين يحافظون على التراث، والعمال الذين شيدوا السدود وشبكات السكك الحديدية، هم الشهود الحقيقيون على تاريخ سوريا. والاستثمار في سلامتهم وتدريبهم يشكل الاستثمار الحقيقي في مستقبل البلاد.
الأول من أيار سيظل تذكيراً بأن بناء سوريا المتجددة يبدأ من ورش العمل ومن أيادي العمال التي لا تعرف المستحيل، وتخليد ذكراهم يتطلب تقديرهم وضمان بيئة عمل تحفظ كرامتهم وتحقق آمالهم.

قد يعجبك ايضا