هبه علي | DCRN
واقع متشكل
لم تعد العدالة الانتقالية في سوريا مفهوماً نظرياً مرتبطاً بنهاية الصراعات فقط، بل تحولت إلى حاجة ملحة تفرضها سنوات من الانتهاكات والتشظي الاجتماعي. وبين خطوات متفرقة تحققت خلال السنوات الماضية، وأخرى ما تزال قيد النقاش أو الانتظار، يبرز هذا المسار كمدخل أساسي لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس أكثر تماسكاً وعدالة.
الإعلامي والمدرب الدولي أكرم الأحمد يوضح لموقع DCRN أن “العدالة الانتقالية في سوريا لا يجب أن تختزل بشخص أو اعتقال متهم واحد مهما كان رمزياً… هي مسار وطني طويل لإعادة بناء العلاقة بين الضحية والدولة، وبين المجتمع والقانون، وبين الذاكرة والمستقبل”. ويضيف أن “أساس العدالة الانتقالية لا يقوم على الانتقام، بل على منع تكرار الجريمة ورد اعتبار الضحايا وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، إضافة إلى جبر الضرر وإصلاح المؤسسات التي ساهمت بالانتهاكات”.
ويقيم الأحمد الواقع الحالي بأنه “بين الأمل والخطر”، مشيراً إلى “تعطش عميق للعدالة في ظل ذاكرة مثقلة بالمقابر والمفقودين والتهجير والسجون”، مقابل “مسار وطني غير مكتمل حتى الآن، وصلاحيات غير واضحة تربط بين كشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات”.
توثيق ومساءلة
على أرض الواقع، ظهرت خلال السنوات الماضية جهود ملموسة في ملف توثيق الانتهاكات، قادتها منظمات سورية ودولية، عملت على جمع شهادات الضحايا وتوثيق حالات الاعتقال والاختفاء القسري، في محاولة لحفظ الذاكرة الجماعية ومنع طمسها. كما برزت أرشيفات مستقلة ومبادرات رقمية شكلت نواة لذاكرة وطنية مستقبلية.
في موازاة ذلك، شهدت دول أوروبية محاكمات استندت إلى مبدأ “الولاية القضائية العالمية”، وهو ما يصفه الأحمد بأنه “خطوة إيجابية ترسخ فكرة أساسية هي عدم الإفلات من العقاب”. لكنه يؤكد أن هذه المحاكمات “لا تكفي لتحقيق العدالة الكاملة، ولا يمكن أن تحل محل المحاكم الوطنية أو تكشف مصير المفقودين، بل تبقى جزءاً من مسار أوسع”.
جبر الضرر
في الداخل، اتخذت بعض الإجراءات التي يمكن إدراجها ضمن مفهوم جبر الضرر، لكنها بقيت محدودة وانتقائية، ولم ترتقِ إلى مستوى المعالجة الشاملة. ويشرح الأحمد أن “جبر الضرر لا يعني التعويض المالي فقط، بل هو منظومة متكاملة تشمل الاعتراف الرسمي بالانتهاكات، وإعادة التأهيل النفسي والصحي، واستعادة الحقوق، وإعادة الممتلكات، والاعتذار، وتخليد الذاكرة”.
ويضيف: “الإنسان الذي فقد ابنه لا يحتاج فقط إلى مبلغ مالي، بل إلى معرفة الحقيقة، وسماع اعتراف رسمي، ورؤية محاسبة المسؤولين… جبر الضرر هو إعادة الكرامة، لا مجرد تعويض عابر”.
مصالحة هشة
شهدت بعض المناطق السورية ما سمي بـ”اتفاقات المصالحة”، والتي ساهمت في وقف الأعمال القتالية وعودة جزئية للاستقرار، لكنها بقيت مركزة على الترتيبات الأمنية دون معالجة جذور الانقسام.
ويحذر الأحمد من أن “طرح المصالحة قبل الحقيقة قد يتحول إلى غطاء للإفلات من العقاب”، موضحاً أن المسار الصحيح هو “أن تسير العدالة والمصالحة معاً بشكل متوازن، بحيث تعزز الأولى حقوق الضحايا، وتساهم الثانية في استعادة التماسك المجتمعي”.
كما يشير إلى مخاطر “التعميم وخطاب الكراهية”، مؤكداً أن “محاسبة مرتكب الجريمة يجب أن تكون فردية، لأن العدالة التي تعمم العقاب تتحول إلى ظلم”.
إصلاح معقد
يعد إصلاح المؤسسات، وخاصة الأمنية والقضائية، من أكثر الملفات تعقيداً. وحتى الآن، لم تشهد هذه المنظومات تغييرات جذرية تعكس تحولها نحو مؤسسات ضامنة للحقوق.
ويشير الأحمد إلى أن التحديات “ليست قانونية فقط، بل سياسية ومجتمعية ومؤسسية”، لافتاً إلى “ضعف الثقة العميق بين السوريين والمؤسسات، إضافة إلى حجم الانتهاكات الكبير، وملفات حساسة مثل المقابر الجماعية، وحماية الشهود، وإصلاح القضاء”.
دور المجتمع
برزت منظمات المجتمع المدني كفاعل أساسي في حفظ الذاكرة، حيث “حملت الملفات حين غابت المؤسسات”، وفق الأحمد، الذي يؤكد أنها “ليست بديلاً عن الدولة، لكنها شريك أساسي في التصميم والتنفيذ والرقابة”.
كما يشدد على أهمية مشاركة الضحايا والنساء، موضحاً أنهم “ليسوا شهوداً على هامش العدالة، بل في مركزها، وشركاء في تحديد الأولويات وصياغة البرامج وتقييم النتائج”.
ذاكرة وطنية
في سياق متصل، يبرز ملف الذاكرة الجماعية كأحد أعمدة العدالة الانتقالية. ويؤكد الأحمد أن “الذاكرة ليست عملاً عاطفياً، بل بنية تحتية للعدالة ومنع التكرار”، داعياً إلى إنشاء أرشيف وطني ومتحف يوثق قصص الضحايا.
ويقول: “المتحف ليس مكاناً للبكاء فقط، بل رسالة للأجيال القادمة: هنا حدث الألم، وهكذا عولج”.
تجارب دولية
عند مقارنة الحالة السورية بتجارب دولية، يشير الأحمد إلى أن “أي نموذج لا يمكن تطبيقه بحرفيته”، موضحاً أن سوريا تحتاج إلى “نموذج خاص متعدد المسارات”، يستفيد من تجارب مثل المغرب وجنوب أفريقيا ورواندا، دون نسخها.
ويضيف أن المسار المطلوب يشمل “لجان حقيقة، وهيئة للمفقودين، وفرق للمقابر الجماعية، وأرشفة وطنية، ومحاكمات للجرائم الكبرى، وبرامج حوار مجتمعي، وإعلام يواكب هذا المسار”.
ما المطلوب
رغم بعض المؤشرات الإيجابية، مثل الحديث عن إنشاء هيئة وطنية ومسار للمفقودين، إلا أن العدالة الانتقالية “لم تتحول بعد إلى سياسة وطنية جامعة”، بحسب الأحمد.
ويؤكد أن المطلوب حالياً هو “تفعيل الهيئة المستقلة وتوسيع صلاحياتها، ووضع خريطة واضحة لجبر الضرر، وضمان مشاركة حقيقية للضحايا”.
كما يشدد على أهمية إدماج مفاهيم العدالة الانتقالية في المناهج التعليمية، “كقيم للمواطنة وحقوق الإنسان، وليس كخطاب سياسي أو انتقامي”.
رسالة للضحايا
في ختام حديثه، يوجه الأحمد رسالة واضحة: “لا أحد يملك حق مطالبة الضحايا بالنسيان أو الصمت… العدالة ليست صرخة عابرة، بل مسار طويل يحتاج مؤسسات وصبراً وخطوات واضحة”.
ويضيف أن الرسالة الأهم هي أن “الضحايا في مركز هذا المسار، وأن حقهم في الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر غير قابل للتنازل، وأن العدالة الحقيقية هي التي تمنع تكرار ما حدث، وتحفظ كرامة الإنسان وذاكرته ومستقبله”.