قصة لاجئ حمل اختراعاته إلى ألمانيا…السوريون علامة للنجاح

9

فردوس دياب | DCRN

في قلب معاناة اللجوء والمرض، حمل هشام الجاسم، رجل الإطفاء السابق في مدينة الطبقة، حلماً يرى فيه مستقبلاً أكثر استدامة وأمناً لوطنه الأم ولكل دول العالم.


الجاسم الذي وصل لاجئا إلى ألمانيا في العام 2015 ، خوفا من بطش و وحشية النظام المخلوع،والذي امتلأت جعبته بمخططات ورسومات لعشرات الاختراعات التي لا يزال يؤمن بأنها قادرة على إحداث ثورة في مجالات الطاقة والسلامة والتراث، لكن هذا الحلم الكبير اصطدم بواقع مرير، هو غياب الدعم المادي والقانوني في بلد اللجوء و الذي حال دون تحويل هذه الأفكار إلى براءات اختراع ونماذج فعلية.

طاقة نظيفة ومستدامة
في حوار خاص مع DCRN ، كشف المخترع السوري هشام الجاسم، المولود عام 1974 في مدينة الطبقة بمحافظة الرقة، عن طموحاته واختراعاته التقنية التي بدأت منذ الطفولة، مدفوعاً بمبدأ “العمل بذكاء” لتقليل الهدر وزيادة الإنتاج.


وأكد الجاسم، أن من أبرز اختراعاته التي قدمها في ألمانيا، ” المظلة الذكية ” ، وتقنية “الأنابيب السورية الذكية” متعددة الأغراض، والتي من شأنها أن تُحدث ثورة في توليد الطاقة الكهربائية النظيفة والمستدامة على مدار الساعة من خلال استبدال الأنابيب التقليدية في شبكات المياه والصرف الصحي وحتى أنابيب النفط.


إن مميزات هذه التقنية تكمن في عملها المستمر بعكس مصادر الطاقة المتقطعة مثل الشمس والرياح، مشيراً أيضاً إلى اختراعات أخرى مثل “الأنهار الذكية” لتعزيز الموارد المائية، وتقنية لزيادة أمن وسلامة المطارات للتعامل مع هبوط الطائرات الاضطراري، وتطوير “السجاد الرياضي” المتطور، وتحديث الحرف التراثية السورية كالسجاد لدمجها بالعصر الحديث.
ورغم تفاؤله الكبير بفوائد هذه الابتكارات لسوريا والعالم.
يؤكد الجاسم بأنه واجه صعوبات كبيرة في طريق تحقيقها، فبعد تقديمه اختراعاته لمؤسسات ومنظمات ألمانية كثيرة ، وجد أن الطريق يتطلب موارد مالية للحصول على براءات الاختراع عبر محامٍ مختص، وهو ما لا يقدر عليه كلاجئ يعتمد على المساعدات الاجتماعية ويعاني من المرض والديون، مضيفا أنه رفض بيع اختراعاته لمؤسسات ألمانية، لأنه اعتبرها ملك للشعب السوري.

أفكار تليق بحضارة سوريا
وأعرب عن إحباطه من رفض تلك المنظمات مساعدته في هذا الجانب، مقارناً ذلك بدعمها لمشاريع تقليدية أخرى، في إشارة إلى طموحه بدعم أكبر لأفكار “تليق بحضارة سورية”.


ودعا الحكومات والشركات الألمانية والدولية إلى مساعدته في تخطي عتبة حماية الملكية الفكرية، ليبدأ في تحويل أحلامه الورقية إلى مشاريع ملموسة تخدم البشرية في كل مدن العالم دون استثناء.


و وجه الجاسم رسالة إلى المخترعين السوريين الشباب، حاثاً إياهم على استلهام عراقة الحضارة السورية ومواقعها الأثرية لمواصلة البناء والابتكار.


وعن كيفية عمل الأنابيب السورية الذكية، أوضح الجاسم، أن هذه التقنية هي الأحدث في العالم، وهي متعددة الأغراض ولها عدة تقنيات منها توليد الطاقة الكهربائية من مصادر مستدامة ومجانية ونظيفة، وهي تصلح لكل الانابيب، سواء الأنابيب التقليدية، أي أنابيب الضخ التي تنقل المياه من محطات المياه العذبة في المدينة والأرياف، أو أنابيب الصرف الصحي في المدن والأرياف، أو أنابيب الأكسجين والغاز والمياه والصرف الصحي في المنشآت العامة والخاصة والفنادق والمشافي، أو أنابيب البترول بين المدن والدول.

إرادة الإنسان السوري
وفي سؤال عن الاختلاف بين اختراعه الانابيب الذكية، وبين التقنيات الاخرى التي تحاكي مصادر الطاقة التقليدية مثل الرياح أو الطاقة الشمسية؟، ذكر الجاسم، أن طاقة الرياح لتوليد الكهرباء، يمكن أن تنخفض أو تتوقف التوربينات حين تنخفض سرعة الرياح عن 6كم، وأما الطاقة الشمسية فهي أيضا تنخفض في الجو الغائم وتتوقف في الليل، أما الأنابيب السورية الذكية فهي تعمل ع مدار الساعة لتوليد الكهرباء.


وأشار إلى أن هناك فوائد ونتائج كبيرة يمكن أن تحققها المدن والمجتمعات حول العالم من خلال هذه التقنية، منها تقنية الأنهار الذكية لضخ المياه العذبة بمليارات الأمتار المكعبة لرفع منسوب المياه الجوفية والأنهار والبحيرات العذبة.


قصة الجاسم تختزل إرادة الإنسان السوري الذي يحمل في ظروف اللجوء القاسية بذوراً لمستقبل يريد أن يهديه للعالم أجمع، لكنه يحتاج إلى يد تمتد لمساعدته على زراعتها، وهذه اليد يطمح لأن تكون سورية ، ومن وطنه الأم ، وهذا نداء للحكومة لمتابعة هذا الأمر واحتضان هذه الموهبة التي قد تحمل الخير الكثير لسوريا والعالم.

استثمار استراتيجي طويل الأمد
عن أهمية الاستثمار في المواهب البشرية ، لاسيما أولئك الذين هجرتهم تداعيات الحرب وبطش ووحشية النظام المخلوع ، أوضح الخبير في التنمية البشرية والقيادة المجتمعية الدكتور عمر ديبان في لقاء خاص مع ” DCRN “، أنه على الرغم من الظروف التي تعرض لها السوريون من تهجير ولجوء ونقص في الإمكانيات، إلا أن العقل السوري مايزال قادراً على الابتكار وإيجاد الحلول، الأمر الذي يفرض على المجتمع والدولة مسؤولية كبيرة في الاعتناء بالمخترعين ودراسة اختراعاتهم وتبنيها بوصفها ركيزة أساسية لمستقبل سوريا.


وأكد الدكتور ديبان أن الاعتناء بالمخترعين السوريين، يتخطى الدعم الفردي أو الإنساني، هو استثمار استراتيجي طويل الأمد في رأس المال البشري، وهو أثمن ما تملكه أي دولة تسعى للنهوض، فدراسة الاختراعات وتطويرها علميا يمكن أن تسهم في حل مشكلات حقيقية تعاني منها البلاد، كأزمات الطاقة والمياه والزراعة والصناعة، وتوفر بدائل محلية تقلل من الاعتماد على الاستيراد وتخفف الأعباء الاقتصادية.

خلق بيئة علمية محفزة للإبداع
واشار ديبان إلى أن تبني اختراعات المخترعين السوريين يشجع على خلق بيئة علمية محفزة للإبداع والبحث، ويعيد الثقة للشباب بقدرتهم على إحداث التغيير داخل وطنهم بدل البحث عن الفرص خارجه، فحين يرى الشاب أن أفكاره تُحترم وتُمول وتُطبق، يتحول الابتكار إلى ثقافة مجتمعية، وهذا بدوره يساهم في الحد من هجرة العقول واستنزاف الطاقات التي تحتاجها سوريا في مرحلة إعادة الإعمار.


وأضاف أن الاستثمار في اختراعات هؤلاء المخترعين من الناحية الاقتصادية يفتح المجال أمام مشاريع إنتاجية جديدة، وكذلك يوفر فرص عمل، بالاضافة الى تنمية الاقتصاد الوطني بشكل مستدام، حيث ان الكثير من الاختراعات المحلية، إذا تم تطويرها وتطبيقها، يمكن أن تتحول إلى صناعات وطنية تدعم الاكتفاء الذاتي.


وختم الدكتور ديبان حديه بأنه يجب على الدولة إنشاء برامج متخصصة لدعم المخترعين، وتأمين حاضنات ابتكار، وتقديم التمويل، والدعم القانوني والعلمي لاختراعاتهم، لأن ذلك يعد خطوة ضرورية لبناء سوريا المستقبل.


فالأوطان لا تُبنى بالخرسانة وحدها، إنما تُبنى بالعقول، والمخترع السوري هو أحد أهم مفاتيح النهوض والتنمية وإعادة الإعمار.

قد يعجبك ايضا