مها محمد | DCRN
شهد اليوم التاسع و الثلاثين من الحرب المفتوحة التي تشنها الولايات المتحدة و إسرائيل على إيران، تطورات نوعية أرخت بظلالها على المنطقة بأسرها.
فبينما كان العالم يترقب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عند الثامنة من مساء اليوم بتوقيت الساحل الشرقي، أعلن الجيش الأمريكي عن تنفيذ ضربات جوية واسعة استهدفت جزيرة خارك الإيرانية، المعقل النفطي الاستراتيجي في الخليج العربي .
و أكد مسؤولون أمريكيون أن الغارات التي شنتها وحدها القوات الأمريكية دون مشاركة إسرائيلية، طالت مخابئ عسكرية و محطة رادار و مستودعات للذخيرة في الجزيرة، مؤكدين أن الأهداف كانت عسكرية بحتة و لم تستهدف المنشآت النفطية بشكل مباشر .
و في السياق ذاته، كشف مصدر في هيئة مراقبة الحركة الجوية عن رصد طائرة استطلاع أمريكية متطورة من طراز “نورثروب غرومان إم كيو-4 سي ترايتون” تحلق على ارتفاع شاهق قبالة سواحل الجزيرة قبل ساعات من القصف، مما يؤكد أن العملية جاءت بعد مراقبة دقيقة و استخبارات مضبوطة .
صواريخ فاتح و خيبر شكن و تهديدات بظلام دامس
ولم تنتظر طهران طويلاً للرد على هذه الضربات التي تستهدف شريانها الاقتصادي، فمنذ الدقائق الأولى التي تلت الإعلان عن استهداف خارك، أطلق الحرس الثوري الإيراني دفعات صاروخية متتالية باتجاه الأراضي المحتلة، مستخدماً صاروخي “فاتح” و “خيبر شكن” من منصات إطلاق جديدة، معلناً بدء مرحلة جديدة من الحرب .
و أكد قائد قوات الحرس الثوري أنهم سيعملون على مضاعفة ضرباتهم رداً على العدوان، مما أدى إلى تفعيل صفارات الإنذار في مناطق واسعة جنوب إسرائيل وصولاً إلى ديمونا و بئر السبع و تل أبيب الكبرى .
وفي غضون ذلك، صعدت طهران من لهجتها السياسية أيضاً، حيث أكد مسؤولون إيرانيون أنهم سيقطعون كل إصبع يرفع بالتهديد ضد الشعب الإيراني، و هددوا بأن استهداف البنى التحتية للطاقة سيغرق المنطقة في “ظلام دامس” خلال نصف ساعة فقط .
و على صعيد المفاوضات، أفادت وكالة “رويترز” عن مصادر إيرانية قولها إن طهران لن تظهر أي مرونة ما دامت أمريكا تطلب الاستسلام، مؤكدين أنهم أوقفوا الاتصال المباشر مع واشنطن عبر الوسطاء، و أبلغوا باكستان بعدم رغبتهم في المشاركة في المحادثات الحالية، مما جمد الجهود الدبلوماسية قبل ساعات من انتهاء المهلة التي حددها ترامب .
ترامب يهدد و فانس يرسم ملامح المرحلة القادمة
في واشنطن، بدا المشهد السياسي متوتراً مع اقتراب عقارب الساعة من الموعد المصيري، ففي مقابلة حصرية مع قناة “فوكس نيوز”، جدد الرئيس الأمريكي تهديداته لإيران قائلاً: إذا انتهت المهلة دون التوصل إلى اتفاق، فسنشن هجوماً لم يروا له مثيلاً، مضيفاً في تصريح آخر نُقل عنه عبر وسائل الإعلام: إيران حضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبداً، لا أريد أن يحدث ذلك لكنه على الأرجح سيحدث.
و في المقابل، حاول نائب الرئيس جاي دي فانس تقديم رؤية أكثر تفصيلاً للموقف، حيث أعلن في مؤتمر صحفي أن واشنطن قد حققت أهدافها العسكرية في إيران إلى حد كبير، مشيراً إلى أن الساعات المقبلة ستشهد مفاوضات مكثفة، لكنه أكد أن الإيرانيين لم يتحلوا بالسرعة الكافية في المفاوضات و لا يزالون كذلك .
كما نفى البيت الأبيض بشكل قاطع أي نية لاستخدام السلاح النووي في الصراع، واصفاً من يروج لهذه الفكرة بأنهم مهرجون كبار، في إشارة إلى تغريدة سابقة نسبت إلى نائب الرئيس السابقة كامالا هاريس .
نتنياهو يعلن استهداف خطوط الإمداد و لبنان يغرق في الدماء
وعلى الجبهة الشمالية، بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر صرامة، حيث أعلن في بيان مصور أن إسرائيل شنت غارات واسعة استهدفت خطوط سكك حديدية و جسوراً داخل إيران يستخدمها الحرس الثوري لنقل الوسائل القتالية، مضيفاً أن الطيارين الإسرائيليين دمروا أمس مروحيات و طائرات في قاعدة تابعة لسلاح الجو الإيراني .
و أوضح نتنياهو أن عملياتهم ليست موجهة ضد الشعب الإيراني بل تهدف إلى إضعاف النظام الذي يقمعه، مؤكداً أن إسرائيل تغير موازين القوى بشكل جذري في المنطقة .
في لبنان، كان المشهد أكثر دموية، حيث ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ 2 مارس الماضي إلى 1530 شهيداً و 4812 جريحاً، وفقاً لأحدث إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية .
و في التفاصيل، بلغ عدد الأطفال بين القتلى 130 طفلاً، كما ارتفع عدد الشهداء في صفوف الطواقم الطبية إلى 57، و اضطرت 6 مستشفيات إلى الإقفال نتيجة الاستهداف المباشر و التهديدات .
و تزامناً مع هذه الخسائر البشرية، أعلن حزب الله عن تصعيد في عملياته، حيث قال إنه يخوض اشتباكات عنيفة مع قوات إسرائيلية عند الأطراف الشرقية لمدينة بنت جبيل، مستخدماً الأسلحة الخفيفة و المتوسطة و الصواريخ و قذائف المدفعية، و مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة لدبابة “ميركافا” .
كما أعلن الحزب استهداف مستوطنات كريات شمونة و أفيفيم و يرؤون و زرعيت و بيت هلل بدفعات صاروخية، بالإضافة إلى استهداف بارجة عسكرية إسرائيلية بصاروخ كروز بحري على بعد 68 ميلاً بحرياً قبالة السواحل .
وفي الخليج العربي، أعلن المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة أن الجهات المختصة تعاملت مع استهداف مبنى لشركة اتصالات بصاروخ إيراني باليستي في المنطقة الوسطى، مما أسفر عن إصابة شخصين .
إقرأ أيضاً
ترامب: يمكن القضاء على إيران في ليلة واحدة.. وإنقاذ الطيارين كان من أكثر العمليات تعقيداً
و من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الكويتية أنها تعاملت مع 17 طائرة مسيرة اخترقت مجالها الجوي خلال الـ 24 ساعة الماضية، دون أن تسفر عن أي أضرار أو إصابات .
حرب استنزاف و اقتصاد ينهار
وسط هذا التصعيد العسكري، بدأت الأصوات الإسرائيلية تتعالى محذرة من تحول الحرب إلى معركة استنزاف طويلة، فبحسب تحليلات نشرتها صحيفة “هآرتس”، فإن التأييد الشعبي للحرب داخل إسرائيل انخفض بشكل حاد من 83% في الأسبوعين الأولين إلى 68% مع دخول الحرب شهرها الثاني، كما انخفضت نسبة الإسرائيليين الذين يعتقدون أن الحرب ستطيح بنظام إيران إلى النصف .
و أشار الكاتب عاموس هرئيل إلى أن ترامب يُظهر عزماً على مواصلة القصف، بينما يُعطي إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة الاغتيالات، لكن استمرار الحرب يُثير مخاوف من استمرار ارتفاع أسعار النفط و انهيار الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني بالفعل من تعطل قطاعات الإنتاج و استدعاء الاحتياط .
وفي خضم هذا الجنون العسكري، ظهر بصيص أمل دبلوماسي على صعيد العلاقات الثنائية، حيث أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن إيران أفرجت عن المواطنين الفرنسيين سيسيل كولر و جاك باري بعد احتجازهما لمدة ثلاث سنوات و نصف، و هما في طريقهما إلى باريس، و شكر ماكرون السلطات العمانية على وساطتها، مما قد يفتح الباب أمام دور عماني أكبر في تهدئة الأوضاع .
