“ملاك ميلوني” وعقدة التملق السياسي: من “سان لورينزو” إلى وعي دمشق.. تملق فني عابر للحدود تتقفى أثره مؤسسة DCRN

224

عبد الرحمن طفور

كشفت تقارير دولية، تصدرتها شبكة CNN الإخبارية وصحيفة The Guardian، عن فضيحة فنية وسياسية تهز العاصمة الإيطالية روما؛ حيث فُتح تحقيق رسمي إثر ملاحظة تشابه مذهل بين وجه “ملاك” في لوحة جدارية رُممت حديثاً، وبين ملامح رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

الأزمة بدأت تحديداً في مصلى “أرواح المطهر” (Chapel of the Holy Souls in Purgatory) الواقع داخل كنيسة “سان لورينزو في لوتشينا” (San Lorenzo in Lucina) العريقة بوسط روما. حيث لاحظ الزوار عقب انتهاء أعمال الترميم في ديسمبر الماضي، أن الملاك يحمل ملامح مطابقة تماماً لميلوني، مما دفع وزير الثقافة، أليساندرو جولي، لإصدار أمر لـ “مديرية روما للآثار” بالتحقيق ومقارنة النسخة الحالية بالرسومات الأصلية للوحة التي تعود لعام 2000.
فيما دافع المرمم المتطوع برونو فالنتينيتي عن عمله، سخرت ميلوني من الواقعة عبر حسابها في “إنستغرام” قائلة: “أنا بالتأكيد لا أشبه الملائكة”، بينما أكد الكاردينال بالدو رينا رفض الكنيسة لاستغلال الفن المقدس لأغراض سياسية، واصفاً التعديل بأنه مبادرة فردية لم تُبلغ بها السلطات.

هذه الواقعة التي تصدرت عناوين الصحافة العالمية، تعيد إحياء ظاهرة “التملق السياسي” التاريخية، والتي تجد لها صدىً عميقاً في التحولات السياسية الكبرى بالمنطقة العربية، وتحديداً في سوريا بعد انتقال السلطة إلى السيد الرئيس أحمد الشرع.
فمع بزوغ أي عهد جديد، تظهر فئات تجيد “فن القفز” بين العهود، محاولةً حجز مواقعها عبر صناعة رمزية تقدس الشخوص وتمنحهم هالة من “المقدس”، تماماً كما جرى في محاولة إقحام وجه السلطة في اللوحة الكنسية بروما.

إلا أن المتغير الحاسم في سوريا كان “جدار الوعي الشعبي الصلب”؛ فخلافاً للسجال القانوني في إيطاليا، واجه الشارع السوري بمختلف مكوناته محاولات التملق بـ “مقاومة مدنية” شرسة. هذا الوعي لم يكن مناطقياً، بل كان تعبيراً عن شخصية وطنية سورية جديدة ترفض العودة إلى ثقافة التقديس التي ثار السوريون لتحطيمها.

Rebel fighters stand with the flag of the revolution on the burnt gravesite of Syria’s late president Hafez al-Assad at his mausoleum in the family’s ancestral village of Qardaha in the western Latakia province on December 11, 2024, after it was stormed by opposition factions and set ablaze. (Photo by AAREF WATAD / AFP)

تعددت محاولات التزلف، لكن الرد السوري كان واحداً وحازماً وشاملاً. ففي إحدى المناسبات الاجتماعية، حين حاولت فرقة “عراضة شامية” استعادة لغة الحقبة البائدة عبر هتافات شخصية نادت بـ “سوريا الشرع”، انبرى الناشط الثوري صالح الخطيب أبو ماهر صالح ليرد بكلمات واعية وصارمة في قلب المحفل، معيداً التأكيد على أن سوريا هي دولة مؤسسات وحرية، وأن “الشخصنة” لم يعد لها مكان في عقلية الإنسان السوري الجديد.

وفي مشهد آخر يجسد يقظة هذا الوعي ضد الهرطقة السياسية، شهدت إحدى الحملات العامة محاولة من مقدم الحفل للتزلف للقادة السياسيين والدينيين الحاضرين بلغة فجّة؛ حيث وصف الشخصيات السياسية بـ “العشرة المبشرين بالجنة”، وتجاوز ذلك بوصف زوجة المفتي بـ “أم المؤمنين” في محاولة رخيصة للمديح. هذا السقوط الذي صدر عن مقدم الحفل فجّر موجة غضب عارمة على مستوى البلاد؛ حيث ضجت وسائل التواصل الاجتماعي برفض السوريين القاطع لهذا الابتذال، معتبرين أن ممارسة التملق باسم الدين أو السياسة هي إهانة لكرامة الشعب الذي دفع ثمن حريته دماً. وقد أثبت رد الفعل الشعبي القاسي أن “المتملق” بات منبوذاً اجتماعياً، وأن الشعب بات يمتلك “رادارات” حساسة تكشف المنافقين في لحظاتهم الأولى.


إن مقارنة “ملاك روما” الذي أوردته CNN بحوادث التملق المرفوضة في سوريا، تكشف عن حقيقة كونية؛ وهي أن “المتملق السياسي” هو كائن عابر للأمم، يتواجد أفراده في كل زمان ومع كل سلطة.

لكن الفارق الجوهري اليوم تصنعه الإرادة السورية الجامعة؛ فالشارع السوري أثبت أنه لن يسمح بتحويل المسؤول إلى “ملاك” في لوحة، ولا إلى “مقدس” في هتاف، ولا إلى “مبشر بالجنة” في حفل. هي معركة وعي وطني شاملة تؤكد أن زمن التملق قد ولّى، وأن الشعوب التي تذوقت طعم الحرية لن تقبل بغير الكرامة والمؤسسات بديلاً، حيث يكون المسؤول خادماً للشعب، لا صنماً يُعبد.

قد يعجبك ايضا