مخلفات الحرب في سوريا.. “قاتل صامت” يحصد الأرواح يومياً وأرقام صادمة عن الضحايا
د.محمد إياد الزعيم | DCRN
بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب والصراع في سوريا، تحولت مخلفات الحرب إلى “قاتل صامت” يحصد أرواح السوريين يومياً، في مشهد مأساوي يرسم صورة قاتمة للواقع الذي تعيشه البلاد.
فمع تراجع حدة العمليات العسكرية المباشرة، برز تحدٍ جديد لا يقل فتكاً: الألغام والذخائر غير المنفجرة المنتشرة على مساحات شاسعة، والتي خلفتها سنوات القتال الطويلة.
هذه المخلفات لم تفرق بين مدني يبحث عن رزقه، أو طفل يلهو أمام منزله، أو عنصر أمن يؤدي واجبه الوطني.
أرقام صادمة تعكس حجم المأساة
كشف وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري، رائد الصالح، في تصريحات رسمية أن مخلفات الحرب والألغام قتلت أكثر من 600 شخص وأصابت 1500 آخرين، وذلك منذ 8 كانون الأول 2024.
وأكد الوزير أن هذه المخلفات تشكل العائق الأكبر أمام عودة المدنيين إلى مناطقهم، لا سيما مع الانتشار الكثيف للألغام في القرى والبلدات والأراضي الزراعية، مما حال دون استثمار الأهالي لأراضيهم وعودة الحياة الطبيعية إليها.
و المأساة طالت عناصر الأمن والجيش الذين يسعون لتطهير هذه المخلفات.
فخلال عام 2025 وبداية عام 2026، وثقت مصادر رسمية مقتل 93 عسكرياً وإصابة 54 آخرين جراء انفجار ألغام ومخلفات حربية أثناء أدائهم لواجبهم.
وفي حصيلة لوزارة الدفاع السورية، بلغ عدد شهداء أفواج الهندسة العسكرية 9 شهداء، وعدد المصابين 66، بينهم 21 إصابة تسببت بإعاقة دائمة، وذلك خلال عمليات تفكيك أكثر من 110 آلاف لغم ومخلفات حربية منذ مطلع عام 2026.
أما منظمة “أنقذوا الأطفال” (Save the Children)، فقد كشفت أن 188 طفلاً على الأقل قتلوا أو أصيبوا في سوريا خلال ثلاثة أشهر فقط، أي بمعدل طفلين يومياً، منذ سقوط النظام البائد في ديسمبر 2024.
وأكدت المنظمة أن الأطفال يشكلون ما يقرب من ثلث ضحايا مخلفات الحرب، نظراً لفضولهم الفطري وانخفاض وعيهم بالمخاطر.
وفي إحصائية أممية شاملة، وثقت اليونيسف إصابة ما لا يقل عن 1,891 ضحية مدنية منذ ديسمبر 2024 حتى فبراير 2026، بينهم 698 قتيلاً و1,193 جريحاً. وتحمّل الأطفال العبء الأكبر، إذ شكلوا 30% من القتلى و40% من المصابين. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 5 ملايين طفل سوري يعيشون في مناطق ملوثة بالألغام ومخلفات الحرب المتفجرة، حيث تنتشر حوالي 324,000 قطعة من هذه المخلفات.
عناصر الأمن.. ضحايا في مهمة التطهير
لم تسلم العناصر الأمنية من خطر هذه المخلفات، بل كانت في كثير من الأحيان ضحايا مباشرة لها.
ففي حادثة مأساوية وقعت في 13 أبريل 2026، قتل عنصران من وزارة الدفاع السورية إثر انفجار لغم أرضي في قرية خربة عبود بريف الرقة الشمالي، أثناء تفكيكهما ألغاماً أرضية في القرية.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ أكدت مصادر محلية أن أكثر من ستة عناصر من فرق الهندسة تعرضوا لحوادث مماثلة في المنطقة، بين قتيل ومصاب. وفي حادثة أخرى وقعت في 3 مارس 2026، قتل عنصران من قوى الأمن الداخلي السورية وأصيب ثلاثة آخرون جراء انفجار لغم من مخلفات الحرب في مدينة الصنمين بريف درعا الجنوبي.
شظايا الصواريخ.. خطر جديد يتساقط من السماء
إلى جانب الألغام والذخائر غير المنفجرة في الأرض، ظهر في الآونة الأخيرة خطر جديد يتساقط من السماء، مع اشتداد الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران فوق الأجواء السورية.
ففي 28 فبراير 2026، قتل أربعة أشخاص على الأقل وأصيب آخرون جراء سقوط صاروخ إيراني على مبنى سكني في مدينة السويداء جنوب سوريا، وفق ما أفادت وكالة رويترز نقلاً عن الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). وفي حصيلة أخرى، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 5 أشخاص بينهم طفل وإصابة آخرين بجروح جراء سقوط صاروخ من مخلفات القصف المتبادل.
ووفق بيانات الدفاع المدني السوري، سُجل سقوط حطام صواريخ وطائرات في 18 نقطة منذ بدء الحرب بين إسرائيل وإيران في 28 فبراير 2026، مما زاد من تعقيد المشهد الإنساني والأمني في البلاد. وأدى سقوط بقايا الصواريخ إلى أضرار مادية جسيمة، من بينها خروج محطة تحويل العتيبة الصناعية في ريف دمشق عن الخدمة، وسقوط حطام صواريخ في درعا والقنيطرة.
قصص إنسانية موجعة.. عندما تتحول الأرض إلى مقبرة
وراء كل رقم إحصائي قصة إنسانية موجعة، تعكس حجم المأساة التي يعيشها السوريون يومياً. السيدة حميدة خليل، من بلدة قميناس جنوب إدلب، تلقت الخبر الصادم: ابنها سليمان (21 عاماً) تعرض لانفجار لغمين أثناء عودته لأرضه لقطف الزيتون بعد سنوات من التهجير. تروي حميدة: “خرجت حافية القدمين لا أعلم كيف أصل إلى فلذة كبدي بعد أن أخبرني زوجي أن ابني سليمان توفي بانفجار لغم من مخلفات الحرب”.
أما سليمان نفسه، فيصف المأساة بتفاصيلها المؤلمة: “ذهبت إلى الأرض لقطف الزيتون ولم أعلم أني دخلت حقل ألغام، انفجر الأول في قدمي فبترت، حاولت الزحف للخروج فانفجر الثاني وبتر ساقي، فخلعت بعض ملابسي وربطت رجلي لعلي أوقف نزيف الدم”. وبعد معاناة دامت نصف ساعة، تمكن مختص من فرق الهندسة من الوصول إليه بعد نزع أكثر من 20 لغماً من محيطه.
لم تقتصر المآسي على الكبار، فالطفل جود قدورة فقد حياته إثر انفجار لغم أرضي بمدينة تل رفعت، حيث فقد والده الفلسطيني الأصل محمود قدورة ابنه الوحيد بعد عودته إلى المدينة. وفي حادثة أخرى، قتل أب وابنه معاً إثر انفجار لغم في سيارة كانا يستقلانها في بادية العكيرشي جنوب مدينة الرقة.
جهود وطنية ودولية في مواجهة الخطر الداهم
في مواجهة هذا الواقع المأساوي، تبذل جهود حثيثة لتطهير الأراضي السورية من هذا الإرث الثقيل.
فقد أعلنت وزارة الدفاع أن أفواج الهندسة العسكرية تمكنت من تفكيك وإتلاف أكثر من 110 آلاف لغم ومخلفات حربية منذ بداية عام 2026 في جميع المحافظات السورية، وشملت هذه العمليات تأمين معابر حدودية ومنشآت حكومية ومدارس وطرق دولية ومناطق صناعية وأراضٍ زراعية.
كما تعمل المنظمات الدولية والإنسانية، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة “هالو تراست”، على دعم جهود إزالة الألغام وتوعية المدنيين. وأكدت ناتالي فوستير، المنسقة المقيمة المؤقتة للأمم المتحدة في سوريا، أن إزالة الألغام أكثر من مجرد إنقاذ للأرواح، فهي شرط أساسي وعامل تمكين رئيسي للاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية.
وكان المركز الوطني لمكافحة الألغام في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث قد أعلن مؤخراً عن عقد ورشة عمل حول الاستراتيجية الوطنية السورية للأعمال المتعلقة بالألغام، في خطوة تهدف إلى توحيد الجهود وتنسيق العمل بين مختلف الجهات المعنية.
دعوات عاجلة لتحرك دولي
في ظل هذه الأرقام المفزعة والقصص الإنسانية الموجعة، تتزايد الدعوات لتحرك دولي عاجل. فقد طالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحكومة السورية والجهات المانحة بإعطاء الأولوية لرصد وتطهير الأراضي من الألغام والمخلفات، وتكثيف التوعية بالمخاطر لضمان عودة المواطنين إلى منازلهم بشكل آمن. ودعت منظمة “أنقذوا الأطفال” المجتمع الدولي إلى دعم توسيع نطاق عمليات إزالة الألغام وتوفير المعدات التقنية اللازمة، محذرة من أن ظل النزاع لا يزال يخيم على سوريا، تاركاً الأطفال عرضة للخطر وهم يحاولون استعادة طفولتهم.
تبقى الكلمة الفصل في هذه المعركة ضد “القاتل الصامت” مرهونة بتضافر الجهود الوطنية والدولية، وتوفير الموارد اللازمة لعمليات إزالة الألغام على نطاق واسع، وتدريب المزيد من العناصر لنزع الألغام وتوفير تجهيزات تقنية لحماية الكوادر العاملة في هذا المجال، فكل يوم يمضي دون تحرك جاد يعني المزيد من الأرواح البريئة التي تزهق، والمزيد من الأحمال التي تتحطم على صخرة إرث الحرب الثقيل.
