قيم المواطنة في سوريا الجديدة..

17

مها محمد | DCRN

في إطار سلسلة الأنشطة الثقافية والفكرية التي تهدف إلى تعزيز الوعي المجتمعي، استضاف المركز الثقافي العربي في أبو رمانة بدمشق محاضرة نوعية حملت عنوان “قيم المواطنة”، قدمها الدكتور عبد الباسط أبو نبوت، الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، وأدار الجلسة أ.سمير الخلف، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام.
تأتي هذه المحاضرة في وقت تتصاعد فيه الحاجة إلى ترسيخ مفاهيم المواطنة كأساس لبناء سوريا الجديدة، في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد.

تناول فيها الدكتور أبو نبوت مفهوم المواطنة من زاوية شاملة، مؤكداً أنها مجموعة من القيم والسلوكيات اليومية التي تنبثق من شعور المواطن بالانتماء لوطنه ووعيه بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه تجاه مجتمعه. وشدد على أن المواطنة الحقيقية تتجلى في الممارسة اليومية، قائلاً: المواطنة ليست شعاراً يرفع، هي ممارسة يومية و التزام، وحقا يقابله واجب.
و المواطن يمنح وطنه الولاء والعمل الصادق، بينما يوفر الوطن للمواطن الأمن والحقوق والفرص.

كما استعرض المحاضر خمس قيم أساسية تقوم عليها المواطنة الحقيقية في أي مجتمع.
تحدث أولاً عن الانتماء باعتباره أسمى شعور وجداني يربط المواطن بوطنه ارتباطاً روحياً عميقاً، مؤكداً أن الانتماء يتعدا الموقف السياسي، لحب الوطن.
ثم انتقل إلى المسؤولية، معتبراً أنها سلوك يومي يتجلى في احترام النظام، الحفاظ على الممتلكات العامة، وإتقان العمل.
وأكد أن المواطن المسؤول لا ينتظر الرقابة، إنما عليه أن يراقب ضميره في كل تصرف.

أما احترام القانون، فأوضح أنه الضامن الوحيد للحرية، فقانون العدل يساوي الجميع ويمنحهم الأمان.
وشكل الحوار وقبول الآخر محوراً مهماً في ظل التنوع الثقافي والفكري الذي يميز المجتمع السوري، حيث شدد أبو نبوت على أن الوطن يتسع للجميع عندما نتحاور بعقل منفتح.
واختتم القيم بالحديث عن العمل والإنتاج، مؤكداً أن الأوطان لا تبنى بالشعارات، فالمواطن الذي يؤدي عمله بإخلاص يساهم بشكل كبير في بناء الوطن.

وتناول أيضا التحديات التي تواجه المواطنة في زمن الأزمات والصراعات، مشيراً إلى أن الوعي العميق بقيم المواطنة يشكل درعاً أساسياً لحماية هوية المجتمع. وأضاف أن المواطنة ليست حمل جنسية معينة، هي عضوية كاملة في المجتمع تتضمن الحقوق والواجبات.
كما ربط بين المواطنة والتنمية، مستشهداً بأمثلة من الواقع الدولي، منها دول فقيرة بالموارد أصبحت غنية بالمعرفة والانضباط، بينما ظلت دول غنية بالثروات الطبيعية متأخرة بسبب الفساد وضعف المؤسسات.

وفي صلب المحاضرة، خصص الدكتور أبو نبوت جزء مهماً للحديث عن سوريا الجديدة، مؤكداً أن المواطنة تشمل العدالة والمساواة. ولفت إلى أن المواطن السوري اليوم يجب أن يتحول إلى شريك فعلي في بناء وطنه، من خلال التحول إلى فاعل أساسي في المجتمع.
وأكد أن الشباب السوري هو جيل التحول والتغيير، داعياً إلى استثمار طاقاتهم في ترسيخ قيم المواطنة عبر الثقافة، معتبراً أن الثقافة هي حارسة المواطنة، فهي تساهم في بناء المواطن الواعي من خلال التعليم والحوار والتفكير النقدي.

من ثم انتقل المحاضر إلى الحديث عن دور الدولة، مؤكداً أنها إطار تنظيمي يضمن الحقوق ويوفر الفرص. وشدد على ضرورة بناء دولة مؤسسات حيث يكون القانون هو المرجعية العليا، محذراً من تحول الدولة إلى غنيمة لفئة معينة. ونوه إلى أهمية العدالة الانتقالية بعد مرحلة الأزمة، مشدداً على ضرورة وجود قانون أحزاب جديد يكون أداة رئيسية في بناء المواطنة السياسية.
كما أشار إلى دور مجلس النواب المنتظر في ترسيخ هذا المفهوم.

وتوقف عند المرسوم الرقم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، مؤكداً دوره المحوري في تثبيت مفهوم المواطنة والإيمان بتعدد الهوية، وأنه يشكل خطوة أساسية نحو بناء دولة القانون التي تتسع للجميع وتحترم التنوع كقيمة مضافة.
كما شدد على دور السوريين في المهجر، مؤكداً أن المواطنة لا تسقط بالاغتراب، وتبقى مسؤولية أخلاقية تلزم كل سوري بالمساهمة في بناء وطنه.

وفي الختام، تناول المحاضر التحديات المستقبلية، مؤكداً أن المواطن السوري يجب أن يبدأ من نفسه، عبر السلوك اليومي من احترام القانون، إتقان العمل، وتربية الأجيال على قيم المواطنة.
ودعا إلى أن يكون الجيل السوري الحالي هو الجيل الذي يصنع التغيير، لأن سوريا الجديدة لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى وعي جماعي والتزام ومسؤولية تثمر استقراراً وازدهاراً.

قد يعجبك ايضا