باكستان تواصل وساطتها السرية.. والمفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران تتصارع على “فصل الملفات”

43

مها محمد | DCRN

في الوقت الذي تتصارع فيه التصريحات المتشددة وتعلو حدة اللهجة السياسية بين الولايات المتحدة وإيران، تعمل باكستان بصمت خلف الكواليس على صياغة “صيغة جديدة” لكسر الجمود المستمر منذ أسابيع، وسط انقسام حاد حول كيفية التعامل مع ملفي مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.

وفقاً لمصادر حكومية باكستانية مطلعة، فإن إسلام آباد تنشط دبلوماسياً على مسارين متوازيين: الأول يهدف إلى حلحلة أزمة مضيق هرمز وإعادة فتحه أمام الملاحة الدولية، والثاني يتعلق بتجميد أو تأجيل النقاش حول البرنامج النووي الإيراني إلى مرحلة لاحقة، وهو ما ترفضه واشنطن بشدة.

صراع “فصل الملفات”.. طهران تُصر وتل أبيب تضغط

المقترح الإيراني الأخير، الذي حملته زيارة وزير الخارجية عباس عراقجي المتكررة إلى إسلام آباد خلال الأسبوع الماضي، ينص على إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، على أن يتم تأجيل أي نقاش جاد حول البرنامج النووي إلى مرحلة تالية.

ولكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدو غير مرتاح لهذا الطرح، حيث يصر فريقه التفاوضي على ربط جميع الملفات في اتفاق واحد، ورفض “تقسيم القضايا” حسب تعبير مسؤولين أميركيين.

وتشير المصادر إلى أن ترامب أبلغ مستشاريه صراحةً أنه “غير سعيد” بالمقترح الإيراني، معتبراً أن أي اتفاق يجب أن يشمل بشكل متكامل ملف تخصيب اليورانيوم والبرنامج الصاروخي.

التهديد والوساطة.. لعبة أعصاب على وقع الحرب

المشهد الدبلوماسي الحالي أشبه بـ”لعبة أعصاب” وفق تعبير مصدر باكستاني، فمن جهة، يلوح ترامب بخشونة إضافية قائلاً: لم يعد هناك وقت للمزاح، على إيران أن تذعن قريباً، ويتهم طهران بأنها لا تستطيع التصرف بحكمة، ومن جهة أخرى، تجد المرشحة للوساطة باكستان نفسها مضطرة للمشي على حبل رفيع بين مطالب الحليف القديم واشنطن، ومحاولة تفهم المخاوف الاستراتيجية لطهران.

باكستان، التي استضافت الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة في 11-12 نيسان الجاري، تحاول تقديم نفسها كميسر محايد، وسط قناعة أميركية بأن المآزق الاقتصادية المتزايدة لإيران ستدفعها عاجلاً أم آجلاً إلى طاولة الحلال بشروط واشنطن.

سباق التخصيب وضمانات دولية معقدة
وسط هذه المفاوضات المتعثرة، يواصل الملف النووي تصعيده على الأرض، فقد ارتفع مستوى تخصيب اليورانيوم الإيراني إلى 60%، وهو مستوى لم يسبق أن وصلت إليه أي دولة غير نووية.

ويقول خبراء إن هذه الدرجة يمكن تحويلها بسرعة إلى يورانيوم عسكري (90%)، والاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية يعبران عن قلقهما المتزايد، ويصفان التخصيب الإيراني بأنه غير مسبوق ويفتقر لأي مبرر مدني واضح.

في هذه الأثناء، تقدم روسيا نفسها كضامن محتمل لأي اتفاق مستقبلي فقد نقلت مصادر دبلوماسية أن إيران تريد الرئيس فلاديمير بوتين “ضامناً” لأي تفاهم، لضمان عدم تعرضها لهجمات أميركية أو إسرائ يلية جديدة في المستقبل، وموسكو، التي تحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف، تنفي تقديم بديل عن خطة العمل المشتركة القديمة لكنها تبقى طرفاً مؤثراً في أي تسوية.

إطار إقليمي بديل وتحركات أوروبية
وعلى صعيد موازٍ، تتحرك طهران لبناء “إطار أمني إقليمي” مع دول الجوار لمواجهة ما تصفه بالعدوان الخارجي، على الرغم من أن مراقبين يعتبرون هذه الخطوة سابقة لأوانها، نظراً للتوترات القائمة بين إيران والعواصم العربية في أعقاب الهجمات الإيرانية على منشآت في دول الخليج العام الماضي.

في الوقت نفسه، لم تتوقف المفاوضات مع القوى الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، فقد عُقدت جولة جديدة من المحادثات في جنيف, وركزت على صيغ لرفع العقوبات والحد من التصعيد النووي، مع بقاء الفجوة واسعة بين الطرفين حول مسألة تخصيب اليورانيوم وسرعة رفع العقوبات.

ختاما، تبقى المفاوضات مستمرة، لكن الصراع الأكبر، مضيق هرمز لن يُفتح قبل أن تجد طهران وواشنطن إجابة حاسمة ومتوافقة حول آلية تنفيذ الاتفاق.

قد يعجبك ايضا