في إطار جهود الدولة لمعالجة واحدة من أبشع جرائم النظام البائد، كشفت رئيسة لجنة التحقيق في مصير أبناء وبنات المعتقلين، الدكتورة رغداء زيدان، عن نتائج أولية تتعلق بمئات الأطفال الذين فقدوا خلال سنوات الثورة، مؤكدة أن اللجنة وثقت 314 حالة لأطفال من أبناء المعتقلين أودعوا في دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وأن 194 طفلاً منهم أعيدوا إلى عائلاتهم بعد التحقق من هوياتهم ومطابقتها مع ذويهم.
تشكيل اللجنة وآليات العمل
أوضحت زيدان، في لقاء خاص على شاشة الإخبارية، أن اللجنة شكلت خصيصاً للبحث عن أبناء وبنات معتقلين تم إيداعهم في دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مؤكدة أن اللجنة ليست مختصة بالبحث عن مصير كل الأطفال المفقودين في سوريا، بل يقتصر عملها على هذه الفئة بالذات. وتضم اللجنة ممثلين عن عدة وزارات، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني وأهالي المفقودين، وتتابع الهيئة الوطنية للمفقودين أعمال اللجنة وتنسق معها بشكل مستمر.
وأشارت زيدان إلى أن الأعداد الموثقة لأبناء المعتقلين ليست نهائية ومن المتوقع اكتشاف حالات جديدة، حيث أن منظمات معتمدة وثقت 3800 طفل مفقود خلال سنوات الثورة في سوريا، واللجنة تواصل عملها للكشف عن المزيد من الحالات.
التحديات التي واجهت اللجنة
وأكدت رئيسة اللجنة أن التأخير في سير التحقيقات يعود إلى غياب الأرشيف الدقيق وتلف الكثير من الملفات في دواوين النظام البائد، إضافة إلى العشوائية في توثيق البيانات وتغيير أنساب بعض الأطفال بشكل ممنهج.
وقد أشارت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات إلى أن أبرز التحديات تمثلت في تغيير أنساب بعض الأطفال وتلف عدد من الملفات، مما عرقل عمل اللجنة وأطال فترة التحقيقات.
حالات لا تزال قيد المتابعة
وكشفت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل أن اللجنة تتابع حالياً 612 حالة لأطفال أُلحقوا بعائلات أخرى بموجب القوانين السورية، وتعمل على التحقق من أوضاعهم القانونية والتأكد من عدم وجود أطفال معتقلين ضمن هذه الحالات.
كما أعلنت الوزيرة عن إنجاز التحقيق في ملفات الأطفال الخاصة بالأعوام من 2011 حتى 2015، ولا يزال العمل مستمراً لاستكمال السنوات المتبقية.
وشددت قبوات على التزام الوزارة بمبدأ الشفافية واحترام حق السوريين في معرفة مصير أطفالهم، مؤكدة أن اللجنة تعرض مستجداتها بانتظام، مع توضيح أن مهامها تنحصر في ملفات الأطفال المودعين بدور الرعاية ولا تمتد للجانب الجنائي، الذي تتابعه وزارات العدل والداخلية بالتنسيق مع الجهات المعنية.
التعاون الدولي ودعم المنظمات الأممية
وأكدت الوزيرة أن معالجة هذه الملفات تجري بتنسيق وثيق مع وزارات العدل والداخلية والخارجية، وبالتعاون مع خبراء دوليين في مجالات الأرشفة والتحقق الجنائي. كما يجري التنسيق مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا (IIMP) التابعة للأمم المتحدة، التي تأسست في حزيران 2023 لتحديد مصير ومكان وجود جميع الأشخاص المفقودين في سوريا، ودعم الناجين وأسر المفقودين.
وتشير تقارير اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) إلى أن تقديرات عدد المفقودين في سوريا تصل إلى 200 ألف شخص، وهو رقم يشمل المفقودين نتيجة الإعدامات بإجراءات موجزة والاحتجاز التعسفي والخطف والاختطاف خلال سنوات النظام البائد.
خطوات عملية على الأرض
أعلنت اللجنة عن إطلاق خطين ساخنين ليتمكن أي مواطن من تقديم معلومات تفيد في عملية الكشف عن مصير الأطفال المفقودين، كما خصصت مكتباً في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لتجميع الملفات ودراستها وتجهيزه باللازم.
وأكدت الوزيرة قبوات أن عائلات الضحايا تعد “عنصراً أساسياً وفعالاً” في عمل لجنة الكشف عبر تمثيلهم المباشر داخلها، ومساهمتهم الفاعلة في الفرق التطوعية الداعمة لجهودها.
ويُذكر أن هذه اللجنة تشكلت ضمن مسار العدالة الانتقالية الذي أطلقته الحكومة السورية، حيث تم إنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية لشؤون المفقودين بموجب مرسوم رئاسي بتاريخ 17 أيار 2025. وفي 22 شباط 2026، تم الإعلان عن تشكيل فريق عمل مشترك بين اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والأمم المتحدة لدعم مسار العدالة الانتقالية، في إطار التزام الدولة السورية بمحاسبة المتورطين في الجرائم بحق الشعب السوري.