كشفت وثيقة داخلية صادرة عن جهاز العمل الخارجي التابع للاتحاد الأوروبي (EEAS)، اطلعت عليها وكالة “رويترز”، عن تحول جذري في مقاربة الاتحاد تجاه سوريا، حيث لم يعد ينظر إليها كملف أزمة إنسانية أو لاجئين فقط، إنما كدولة محورية ذات دور استراتيجي في المنطقة، خاصة في مجالات التجارة والطاقة والنقل.
وتشير الوثيقة، التي تم تداولها في 16-17 نيسان 2026، إلى توجه أوروبي لعودة تدريجية ومنظمة للتعامل مع سوريا، عبر مسارين متوازيين:
إعادة تفعيل اتفاقيات تعاون قديمة، وفتح آفاق لشراكات جديدة في المجالات الاقتصادية والأمنية، مما يعكس تحولاً في الرؤية الأوروبية من منظور إنساني بحت إلى رؤية تقوم على المصالح الاستراتيجية.
إعادة تفعيل اتفاقية 1978 وحوار سياسي رفيع المستوى
وفقاً للوثيقة، سيتم تفعيل اتفاقية التعاون الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا عام 1978 بالكامل، بعد أن كانت مجمدة لسنوات بسبب الوضع السوري.
و من المقرر أيضاً إطلاق حوار سياسي رسمي ومنظم بين الجانبين في 11 أيار 2026، لبحث آليات التعاون المشترك وملف إعادة الإعمار.
وفيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية، أكدت الوثيقة أن الخطة الأوروبية لا تتضمن رفعاً فورياً وشاملاً للعقوبات، هدفها “إعادة هيكلتها وتكييفها” بشكل تدريجي.
دمج سوريا في الممرات الاقتصادية الكبرى
جاء في الوثيقة أيضاً الرغبة الأوروبية الواضحة في دمج سوريا ضمن مشاريع الربط الإقليمي الكبرى، وفي مقدمتها “الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي” (IMEC)،
وهو ما من شأنه تحويل سوريا إلى مركز رئيسي للنقل والطاقة والاتصالات الرقمية يربط آسيا بأوروبا.
ويأتي هذا التوجه بدافع جيوسياسي واضح، حيث كشفت الحرب المستمرة في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز عن هشاشة الممرات البحرية التقليدية (التي يمر عبرها حوالي 20% من النفط العالمي)، مما دفع القوى الكبرى إلى البحث عن بدائل برية “أكثر أماناً” لإمدادات الطاقة والتجارة، وهو ما أعاد إحياء الأهمية الجيوسياسية لسوريا كجسر عبور طبيعي بين الشرق والغرب.
كما يهدف المشروع إلى توفير بديل أوروبي عن إمدادات الطاقة الروسية، حيث يمكن لسوريا أن تصبح نقطة عبور استراتيجية للغاز من الشرق الأوسط إلى الأسواق الأوروبية.
تعاون اقتصادي وأمني شامل
كما تطرقت الوثيقة إلى مجالات أوسع تشمل دعم إنشاء إطار للاستثمار في سوريا، وتعبئة رأس المال الخاص، ومساعدة الحكومة السورية في تحسين بيئة الأعمال.
كما نصت على التعاون في الملفات الأمنية، بما في ذلك دعم تدريب الشرطة السورية، ومكافحة الإرهاب، وتهريب المخدرات، والجريمة المنظمة.
أما في ملف اللاجئين، الذي طالما كان محور الاهتمام الأوروبي، فتشير الوثيقة إلى العمل على تهيئة الظروف لعودة طوعية وآمنة للاجئين السوريين في أوروبا، حيث يقدر عددهم بأكثر من مليون لاجئ، وذلك كجزء من مقاربة شاملة تعيد بناء الثقة بين الجانبين.
تعكس هذه الوثيقة تحولاً استراتيجياً في السياسة الأوروبية تجاه سوريا، حيث انتقلت من مقاربة إنسانية بحتة إلى رؤية تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية الإقليمية.
وإذا تم تنفيذ هذه التوصيات، فإنها ستمهد الطريق لعودة تدريجية لسوريا إلى الأنظمة الاقتصادية والجيوسياسية الإقليمية، وفتح صفحة جديدة من العلاقات مع الغرب، تعتمد على التعاون والشراكة بدلاً من العقوبات والعزلة.
