ريمة خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق
كأشعة الشمس الذهبية تناثرت خصل شعرها، على ظهرها المَحْنيِّ كظهر عجوز في أرذل العمر، برغم سنينها السبع عشرة، إلا أن ضمورا اجتاح جسدها منذ سنينها الأولى، وقوَّس عمودها الفقري، وسبَّبَ ضمورًا واضحًا بجميع عضلات الجسم، فكان سببا بعدم قدرتها على المشي،
هذه ليست الحالة الوحيدة عند( أبي عدنان)، فقد مات ابناه عدنان وعمر في هذا المرض أيضا، في عمر العشر سنوات، كما كان يتوقع الأطباء،
أما هيفاء فقد عاندت حالتها كل التوقعات، فهاهي في سن السابعة عشر، ومازالت على قيد الحياة.
كان أبو عدنان يرى الدنيا بعيني ابنته ومدللته هيفاء، فلا يوفر جهدًا في طريق إسعادها، ورسم البسمة على وجهها الملائكي، فهاهو يتحمل تعب عمل إضافي برغم مرضه، بقصد تأمين كل متطلباتها التي كان يعلم أنها تكابر على طلبها، شفقة عليه، وتوفيرا لما يبذل من جهد كبير للحصول عليه من أجر.
أمّا أمُُها فقد كانت تختلف عن والدها، لقد كانت تشعر بأنها عبئا أهلك كاهلها، وهمًّا قضًَ مضجعها، وقد كان إحساسها هذا واضحا جدا بمعاملتها الخالية من اللّين والحنية لهيفاء.
تلك النظرات من أمها، الممتلئة بما لا يوصف ولا يفسر عند هيفاء، كانت جمرات تقع في قلبها، تحرق أوردتها، وتكوي جوفها الممزق من تلك القساوة التي تلاقيها منها، فكانت تحاول مااستطاعت أن تعتمد على نفسها، ولا تتّكل عليها، أو تطلب منها مساعدة، لتتجنب بعض النظرات، وأحيانا الكلمات الجارحة.
كانت هيفاء تدفع كرسيها المتحرك، تهمُّ بالخروج من غرفتها، حين سمعت صوت الجارة أم حيدر تسأل أمها عن سبب معاملتها القاسية لابنتها،
وبصوتها الحنون المحبب لهيفاء تقول:
- استغفري الله يا أم عدنان، هذا حرام، ماذنب ابنتك؟، هذا أمر الله، ربما ستعيش مئة عام، قد يكون عمرها طويلا!!.
تقول الأم بصوت ممزوج بحدة ولين: - ياأم حيدر أنا أم، وإني أحترق كلما رأيتها على هذا الحال، إني أفكر بوضعها ليلا ونهارا، لولا مرضها هذا كنت زوجتها، وأمًنت عليها في بيت زوجها،
أما في وضعها هذا فسيبقى همَّ رعايتها والاهتمام بشؤونها عبء ثقيل يتأرجح على رقبتي وكذلك أبيها المسكين، والذي أكثر مايجني من مال يصرف على أدويتها وعلاجها،
تصمت لحظة وتتابع: - يا أختي إن أباها يحمّل نفسه فوق طاقته من أجل تأمين حاجياتها، إنه يعمل عملا مسائيا إضافيا كي يؤمن
لوازمنا برغم أن صحته متعبة،
تأخذ نفسا عميقا وتستطرد:
-:أتعلمين إن موت من بوضعها( موت بكُبَّةٍ من ذهب)،
أم حيدر: - كلّ ما ذكرته لا ببرر معاملتك القاسية لهيفاء، صحيح أنها تزيد أعباء الحياة عليكم، لكن هذا أمر الله، هذا ماأراده لهيفاء ولكم. فكُفِّي عن التذمر والتلفظ بأشياء ستحزن ابنتك إن سمعتك تقولينها، وبحدة وعصبية تقول الأم:
- ليس الأمر بيدي، أنا فعلا أتمنى لو أنها تموت كأخويها وبالتالي( سترتاح وتريحنا )، من في وضعها وزر على من حوله.
تسارعت نبضات قلب هيفاء حين خرقت تلك الكلمات روحها، واغرورقت عيناها بالدموع، وأخذت ترتجف جوارحها، حبل من رصاص مشتعل التف حول عنقها.
الآن نطق الكلام الذي يفسر كل خشونة كانت تغلف معاملة وكلام الأم، الآن مواجهة ما تجنبته مواجهته دائما، ورفضت تصديقه، والاعتراف بحقيقته، تحولت الغرفة إلى جحيم مستعر، وعمَّت ظلمة برغم ضوء النهار، وجاذبية غريبة شدّتها لباب الشرفة المطلة على الشارع العام، حرّكت عجلات الكرسي، مسرعة نحوها، توقفت العجلات عن دورانها بعد أن اصطدمت بحافة الشرفة، أمسكت بحديد( الدرابزين )، دفعت بجسدها للأعلى، ارتكزت لثوان على الحافة، أعادت نظرها للخلف، أغمضت عينيها، نزلت منهما أخر دمعتين، رمت بنفسها لتنهي بذلك أوجاعا صارعتها سنينا طويلة.
الموت بكبة من ذهب
مثل شعبي يقال فيمن كان وجودهم عبئا على ذويهم
