ريمة خطاب |شبكة مراسلي ريف دمشق
هدوء تلك الليلة الباردة كان يزيد من الرعب السائد عليها، ظلام دامس، وبرد يخترق العظام كسيف حاد النصل، ليلة شتائية أخاف جوَّها السيء جدا سكانَ المخيم، وأخضعهم جميعا لسيطرته.
في خيمة اتشحت بالسواد وكساها أرق وحزن بحجم المخيمات، كانت نور ابنة الخامسة عشر ربيعا، تعاني آلام مخاض فرضته سطوة الجهل والإهمال عليها.
جلست أم نور تراقب ابنتها الطفلة التي فقد عذريتها بسبب إهمالها وانشغالها عنها بأمور، مهما كانت مهمة، لكنها لا توازي حدثا جللا كهذا الحدث.
قالت في سرِّها بعد أن كتمت تنهيدة كمن يحاول إخماد نيران الندم التي أكلتها:
- يا ويلي، ماذا فعلت بك يا بنتي؟، ليتني مت قبل أن أراك في هذا الحال،
تبَّاً لكل شيء أخذني منك، وشغلني عنك، تبّا لاستهتاري، وعدم إحساسي بالمسؤولية.
مدت نور يدها وأومأت لأمها لتقترب منها، طالبة قربها من شدة الألم،
ولسان حالها يستنجد بأمها، لتخلصها من صراعها مع وصب فاق حد الاحتمال.
اقتربت منها وأمسكت بيديها، بينما كانت الحاجة فوزية تقوم بعملها،( توليدها ).
الحاجة فوزية التي وعدت بإتمام عملية الولادة بسرية تامة، لمنع حدوث الفضيحة في المخيم.
في كل طلقة كانت تبلع نورا ألما تعبر عنه بدموع تبلل شالها الصوفي الذي تلفحت به لتضعه على فمها وتكتم صوت توجعها.
ضغطت على يد أمها في لحظة ألم قوية، نظرت لأمها، وقالت بصوت متحشرج، مرتجف: - لم أخطئ ياأمي، لم أكن أعلم أنه يكذب، حين لم أجدك في الخيمة ذهبت لأسأل عنك، فأنا أعلم أنك دائمة التردد على جيراننا،
لم أعلم أن ابن الجيران يكذب، وأنه سيأخذني لبيت خارج المخيم لا يوجد فيه أحد. لقد قال لي أنك وأمه قد ذهبتما لذلك البيت، وأنت من طلب منه أن يصطحبني إليك حين آتي أسأل عنك، ولم أعلم أنه قد وضع شيئا جعلني أنام، بكأس الماء الذي شربته.
وختمت كلماتها هذه بصرخة كتمتها الأم بوضع الشال على فمها.
لم تستطع الأم كتمان دموعها أكثر. فانفجرت بالبكاء، وأمسكت بيديها الاثنتين وجه نور الذي ضج بالجمال والبراءة.
اقتربت من أذنها وهمست: - لا يابنتي لست المذنبة، أنا من أضاعك في متاهات الذئاب، أنا قدمتك فريسة سهلة لوحش تجرَّد من كل أوصاف الإنسانية، لم يكتفِ بما فعله بك، بل راح يشتم وينكر فعلته حين واجهته بجريمته أمام أمه، وترك المخيم وهرب للتملُّص من المسؤولية.
اخترقت تنهيدات الأم الممزوجة بندم قاتل، روح نور، لتضاعف من آلام طفلة وجدت نفسها معلقة تائهة بين الأرض والسماء، في غمضة عين.
بعد مخاض دام ساعات الليل الطويلة، وضعت نور طفلة تحاكيها بالجمال،
عينان زرقاوتان، ثغر سرق لونه من لون الدم، وبياض ناصع كبياض ثلج لم تلوثه يد غادر.
أسرعت الحاجة فوزية بلف الصغيرة بثياب وأقمشة كانت قد جهزتها قبلا، ووقفت وحثت الخطا نحو باب الخيمة،
صرخت نور بصوتها الطفولي المتعب: - أين تذهبين؟، إلى أين تأخذين ابنتي؟!!.
وقفت الحاجة قليلا ثم عادت،
قالت للأم التي كانت تساعد نور، وخاطبتها: - ماهذا يا أم نور؟!، ألم تخبري ابنتك بمصير وليدها حين تضعه؟!، أم أنك تريدين أن يفتضح أمرها؟!.
الأم وقد خنقتها العبرات: - لا..لااا..أرجوك يا حاجة، أكملي معروفك( واستري علينا..الله يسترك ).
وتنظر لنور التي فتحت عينيها المتعبتين، وقد رسم
فيهما ألف سؤال وسؤال، فتقول: - نور ياحبيبتي، الحاجة فوزية ستأخذ ابنتك لتخبئها في مكان لا يصل إليها أحد، وحتى لا يعلم بأمرنا أحد وتنكشف فضيحتنا، لذلك لاتحزني يابنتي، المهم الآن استريحي ونامي، وحين تتعافين سآتي لك بها، الآن يجب أن تأخذها قبل أن يطلع الضوء، ويخرج الناس من الخيام، وتحدث مصيبة.
تسكت نور على مضض، تأخذ نفسا عميقا وتقول: - دعيني أقبلها ياخالة قبل أن تذهبي.
تنظر الحاجة للأم بعينين امتلأتا بالحزن، ثم تقرّب الطفلة من حضن نور، تقترب نور منها، تقبلها فتسقط دمعتها على الخدود الطرية.
تسرع الحاجة بخطاها وتخرج من المخيم، وتسابق خيوط الفجر الأولى، مستترة ببقايا ظلام ليلة عصيبة.
في الصباح، استيقظ سكان المدينة القريبة من المخيم الذي تسكنه نور، على أصوات الناس التي علت، وصدحت بالدعاء والإستغفار والحوقلة.
فقد وجدوا طفلة حديثة الولادة ملقاة أمام باب المدرسة، وقد ازرقت من شدة البرد وفارقت الحياة.
