تواجه أسواق التكنولوجيا والقطاعات الصناعية المتقدمة احتمال دخول أزمة جديدة بعد تعطل حركة الشحن في الخليج، حيث تشير البيانات اللوجستية إلى وجود نحو مئتي حاوية هيليوم عالقة في الموانئ، في وقت يعتمد فيه هذا الغاز على ظروف تخزين شديدة الحساسية. وتحتوي كل حاوية على هيليوم فائق البرودة بدرجة تصل إلى 269 درجة مئوية تحت الصفر، ويُحفظ داخل خزانات معزولة دون أنظمة تبريد نشطة، ما يمنحه فترة أمان محدودة تتراوح بين خمسة وثلاثين وثمانية وأربعين يومًا قبل أن يبدأ بالتبخر والتسرب إلى الجو.
ويُعد الهيليوم من أكثر الغازات أهمية في الصناعات الحديثة، إذ يتميز بخفة وزنه وخواصه الفيزيائية الفريدة التي تسمح باستخدامه في التبريد العميق، وفي تشغيل المغناطيسات فائقة التوصيل داخل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، وفي المختبرات العلمية التي تعتمد على درجات حرارة منخفضة للغاية لإجراء التجارب الدقيقة.
كما يدخل في صناعة الصواريخ، وفي عمليات الفحص الصناعي، وفي تقنيات اللحام المتقدمة التي تتطلب بيئة خالية من التفاعل الكيميائي.
غير أن الاستخدام الأكثر حساسية للهيليوم يرتبط بصناعة الرقائق الإلكترونية، التي تُعد العمود الفقري للتكنولوجيا العالمية.
ويُستخدم الغاز في غرف التصنيع فائقة النقاء، وفي تبريد الليزر والمعدات الدقيقة التي تنحت الدارات الإلكترونية، وفي حماية المكونات الحساسة من الحرارة والاهتزاز، ولا يتوفر بديل مباشر للهيليوم في هذه العمليات، ما يجعل أي نقص في الإمدادات تهديدا مباشرا لسلاسل إنتاج التكنولوجيا، من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية، مرورا بمراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتتفاقم الأزمة مع توقف جزء كبير من صادرات الهيليوم القادمة من قطر، التي تُعد أحد أكبر المنتجين عالميا، وتوفر ما يقارب ثلث الإمدادات.
ومع تعطل المرور عبر مضيق هرمز، ارتفعت الأسعار في الأسواق الدولية بنسب وصلت إلى مئة في المئة، وسط مخاوف من موجة ارتفاعات جديدة إذا استمر الانسداد البحري. ويعني ذلك أن الكميات العالقة في الخليج مهددة بالخروج من السوق نهائيًا، لأن إعادة تسييل الهيليوم تتطلب منشآت صناعية متخصصة غير متوفرة في معظم الموانئ الإقليمية.
ويرى خبراء أن استمرار تعطل الشحن قد يفتح الباب أمام أزمة عالمية جديدة، خصوصا أن قطاع التكنولوجيا يعتمد على إمدادات مستقرة من الهيليوم للحفاظ على وتيرة الإنتاج.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي نقص كبير في هذا الغاز قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأجهزة الإلكترونية، وتأخير خطوط الإنتاج، وزيادة الضغط على شركات التكنولوجيا التي تواجه أصلاً تحديات في سلاسل الإمداد منذ جائحة كورونا.
وتتابع الأسواق الدولية التطورات في الخليج بدقة، وسط تقديرات بأن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد حجم الخسائر، وما إذا كانت الأزمة ستبقى محصورة في قطاع الشحن، أم ستتحول إلى أزمة تكنولوجية عالمية ذات تأثير واسع على الاقتصاد الدولي.
