خارطة الأهداف بعد شهر من المواجهة بين أمريكا وإسرائيل وإيران

2

مها محمد | DCRN

مع مرور نحو شهر على انطلاق عملية “الغضب الملحمي” الأمريكية و”زئير الأسد” الصهيونية ضد إيران في 28 شباط/فبراير، تتضح ملامح خارطة الأهداف والاستراتيجيات المتقابلة بين طرفي الصراع.
فبينما تمتلك واشنطن وتل أبيب تفوقاً نارياً ساحقاً، تعتمد طهران استراتيجية مختلفة قائمة على رفع كلفة الحرب وإطالة أمدها.

إقرأ أيضاً

واشنطن وطهران: تصعيد لفظي وتهديدات متبادلة على خلفية التوترات في مضيق هرمز والهجمات الصهيونية

حجم وزخم القصف

خلال الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب، نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية كثافة ضربات غير مسبوقة.
ففي الأيام العشرة الأولى وحدها، تجاوز عدد الأهداف التي تم استهدافها 3 آلاف هدف .
ومع استمرار العمليات، ارتفع العدد بشكل كبير، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن عدد الأهداف التي تم قصفها تجاوز 5,500 هدف بحلول 11 آذار/مارس ، ثم تجاوز 15 ألف هدف بعد أيام .

وبحسب بيانات الجيش الإسرائيلي، تم إسقاط أكثر من 10 آلاف ذخيرة في أكثر من 7,600 غارة استهدفت أكثر من 2,200 هدف للنظام الإيراني .
أما الجانب الأمريكي، فقد نفذ طيرانه أكثر من 6,500 طلعة جوية ، مع نشر نحو 50 ألف عسكري أمريكي في المنطقة لدعم العمليات .

تفكيك منظم للقدرات الإيرانية

تمكنت الضربات المشتركة من تحقيق تدمير شبه كامل للقوات الجوية الإيرانية، وإغراق الجزء الأكبر من البحرية الإيرانية في الخليج العربي .
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن أكثر من 100 سفينة بحرية إيرانية دُمرت أو عُطلت .

حيث استهدفت الضربات مكونات منظومة الدفاع الجوي الإيرانية بشكل منظم، من خلال استهداف رادارات الإنذار المبكر مثل منظومة AN/FPS-132 في قطر، ورادارات THAAD في الأردن .
وأسفر ذلك عن إضعاف الغطاء الدفاعي الإيراني وتمهيد المجال الجوي أمام الطائرات الأمريكية والإسرائيلية للعمل بحرية فوق الأراضي الإيرانية .

كما شكلت قدرات إيران الصاروخية وطائراتها المسيرة هدفاً رئيسياً للضربات، فقد استهدفت الغارات مواقع إنتاج الصواريخ في شيراز ومراكز الإطلاق، إضافة إلى مستودعات التخزين والمنصات المتحركة .
ونتيجة لذلك، تراجع معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية بنسبة 86% خلال الأسبوع الأول من الحرب .

القيادة والسيطرة:
طالت الضربات رأس الهرم في النظام الإيراني، حيث أعلن عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي، وقائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني، ومسؤول الأمن القومي علي لاريجاني .
كما استهدفت الضربات مقرات الحرس الثوري وقوات الباسيج وأجهزة الأمن الداخلي في طهران .

هندسة الأهداف بدقة ورفع الكلفة

وفي مقابل التفوق الناري للتحالف تقدمت إيران باستراتيجية متكاملة تقوم على أسس واضحة، تستهدف البنية التحتية العسكرية الأمريكية في المنطقة:

خلال الشهر الأول، تم توثيق استهداف 17 موقعاً أميركياً في دول عدة، بينها 11 قاعدة عسكرية أميركية .
فقد استهدفت إيران قاعدة العديد الجوية في قطر (أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط)، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة الظفرة في الإمارات، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية حيث دُمرت 5 طائرات ناقلة وقود أميركية من طراز KC-135 .

كما أن الضربات الإيرانية لم توجه على الأهداف المحصنة بقدر ما ركزت على البنى التحتية الداعمة للعمليات العسكرية الأميركية، كمنظومات الرادار المتقدمة ومراكز القيادة والاتصالات ومرافق التخزين والإمداد .
فهذا النوع من الاستهداف يعطل المنظومة القتالية بأكملها، حيث أن تعطيل رادار واحد يمكن أن يؤثر على قدرات الدفاع الجوي في المنطقة بأسرها.

كما استندت الاستراتيجية الإيرانية إلى فكرة رفع الكلفة،فكل صاروخ اعتراضي تطلقه الدفاعات الأميركية، وكل طائرة تجديف جوي تُستنزف، وكل قاعدة تتعرض لقصف، هي جزء من معادلة تهدف إلى جعل استمرار الحرب مكلفاً سياسياً ومادياً بالنسبة لواشنطن .
وتعمل طهران في هذا الإطار على استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركية من خلال إطلاق موجات كبيرة من الصواريخ والمسيرات من اتجاهات متعددة وبأنماط مختلطة .

كما أن السيطرة على مضيق هرمز كانت ورقة الضغط الأهم بيد إيران. فمنذ الأيام الأولى، نجحت طهران في إغلاق هذا الممر الحيوي أمام الملاحة الدولية .
وبحلول الأسبوع الرابع، كان أكثر من 1100 ناقلة نفط وسفينة تجارية عالقة أو تعاني اضطرابات في الملاحة .
وتسبب هذا الإغلاق في ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 110 دولارات للبرميل خلال الأسبوع الثاني .

انقسام استراتيجي بين واشنطن وتل أبيب

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، بدأت بوادر انقسام استراتيجي بالظهور بين الحليفين، فبينما تتحدث واشنطن عن حملة محدودة الأهداف تركز على تدمير القدرات العسكرية الإيرانية ودفع طهران للتفاوض، تبدو إسرائيل أكثر عزماً على توجيه ضربة قاسية تطال النظام الإيراني ذاته .

فقد أوضح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن الحرب ليست لتغيير النظام، فيما تحدث الرئيس ترامب عن “النموذج الفنزويلي” الذي يعتمد على الضغط حتى ينهار النظام من الداخل .
وفي المقابل، يعتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الضربات الجوية وحدها غير كافية، ويدفع نحو توجيه ضربات أكثر عمقاً .

هذا الانقسام انعكس على ساحة العمليات، حيث أقدمت إسرائيل على خطوات تصعيدية تجاوزت الموقف الأميركي، مثل قصف حقل غاز جنوب بارس الإيراني في 18 آذار/مارس، وهو أحد أكبر مشاريع الطاقة البحرية في العالم .
وأظهرت واشنطن تحفظاً على هذه الخطوة، حيث قال ترامب إنه طلب من نتنياهو كبح مثل هذه الضربات .

ومع نهاية الشهر الأول، تبدو الصورة العامة للحرب معقدة، فبينما حققت الولايات المتحدة وإسرائيل تقدماً عسكرياً كبيراً على الأرض، لم تنجحا في دفع النظام الإيراني إلى الانهيار أو حتى إلى طاولة المفاوضات بالشروط التي تريده .

وفي المقابل، نجحت إيران في فرض معادلة جديدة، حيث باتت الحرب تكلف الاقتصاد العالمي عشرات المليارات من الدولارات، وأدت إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتهديد إمدادات الطاقة العالمية، ورفع منسوب التضخم .

وتشير التقديرات العسكرية إلى أن الطرفين قد يكونان مقبلين على مرحلة جديدة من الحرب، حيث لا تزال الخيارات المطروحة على الطاولة تتراوح بين التهدئة الدبلوماسية (وهو الأصعب حالياً) والتوسع في العمليات البرية (وهو الأخطر) .

قد يعجبك ايضا