(ومن جور ماتعانيه في هذه الاحداث (في الشمال السوري المحرر
أن تكون معرضاً في أي لحظة لأن تجد نفسك مع عائلتك و أولادك مرمياً في الشارع
تقرؤون في هذه القصة معاناة النازحين مع بعض الإستغلاليين وتجار الحرب
ريمة خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق
كنت أشرب الشاي الحلو الذي أحب حين سقطت دمعةٌ من عيني في صينية الشاي، سقطت بالقرب من نقطة شاي كنت قد أسقطتها قبل ثوانٍ، نقطة الشاي حمراء ساخنة، ودمعتي بيضاء شفافة لكن نيران القهر والألم تستعر فيها، وضعت سبابتي على نقطة الشاي ولعقتها، توزعت حلاوتها على ما وصلت إليه من لساني، وبنفس السبابة حملت دمعتي المتوضعة بمحاذاة نقطة الشاي، فلم أشعر بملوحة دمعي!، أثار ذلك استغرابي، أحلاوة الشاي طغت على ملوحة دموعي؟ أيعقل هذا؟!.
صوت صاحب البيت أعادني من متاهات التفكير، نهضت وفتحت له الباب:
- تفضل أبو أحمد، أهلا وسهلا
وجهه المنكمش على بعضه وعقدة حاجبيه ونظرة عينيه المبطنتين كانوا رسالة تذكير بأنه أول الشهر ويجب علي دفع آجار البيت، كررت الترحيب: - تفضل أبو أحمد لنشرب الشاي معا
- شكرا، جئت لآخذ أجرة البيت فاليوم أول الشهر.
تلعثمت وثقل لساني، ماذا أقول له، هو يعلم وضعي وسوء حالي، يعلم أن أجرة عملي في “العتالة” بالكاد تغطي بعض مصاريف عائلتي، زوجتي المريضة ورحلة علاجها الطويلة بعد أن أصابتها شظية في النخاع الشوكي منذ سنتين وأدويتها الكثيرة عبءٌ رغم أن بعضها مجاني، أما وضع ابني معاذ ابن الخمس سنوات فكما قال لي الطبيب المختص: - عملية عينيه مكلفة جداً.
وقد حاولت مراراً وتكراراً الحصول على إذن “تحويلة” يمكِّنه الدخول لتركيا لإجراء العملية إلا أنني فشلت بهذا، أما وضع ابنتي الأرملة التي عادت إلينا هي وطفلتيها بعد استشهاد زوجها، فهذا أمر زاد رأفة وشفقة أهل الحي جميعهم علينا إلا صاحب البيت أبو أحمد، وأظن أنهم يشعرون بثقل ما أرزح تحته من هَمِّ المعيشة والغلاء الذي يزداد كل يوم هو بسبب وجعنا المتشابه، فأغلبنا نازحون مهجَّرون من قرانا وبلداتنا، جئنا إلى الشمال المحرر متأملين بالأمان من أجل نسائنا وأطفالنا، حاملين جراحا وآلامًا نقشت في الصميم لن تندمل مابقينا أحياء.
“احم احم”… تنحنح أبو أحمد وكأنه يقول دون كلام: - هيا أعطني الأجرة، لقد وقفت طويلا على الباب أنتظر.
- يا..يا أبو أحمد لم يتأمَّن المبلغ معي بعد، هَلَّا صبرتَ عليَّ بضعة أيام؟، أنت تعلم كم هو الوضع سيِّئ، وأنا أعمل يوما وأقعد يوما بلا عمل، أرجو أن تقبل اعتذاري، وتمنحني بعضاً من الوقت، وسأكون لك شاكراً على معروفك.
يكسر وقاره المزعوم، ويتغير لون وجهه، ويزأر بصوت جهوري: - ماذا؟، كل شهر نفس الحجج، ماشأني بعملك ووضعك؟، لقد سئمت التعامل معك، فليكن بمعلومك أنه من الشهر القادم يجب عليك أن تخلي البيت، لقد أجَّرته لشخص غيرك أو عليك زيادة المبلغ، فأنت ترى الغلاء، الوضع سيئ عليك وعليَّ، يضرب الحائط بيده ثم يتابع:
- سأعود بعد غد لأخذ الأجرة، وتخبرني بقرارك، إما الإخلاء أو الزيادة، ويمشى ويحث الخطى تاركاً خلفه حيرةً ومخاوفاً جديدة ماكانت في الحسبان.
عدت لمكاني بخطى مثقلة، بهموم تكسر الظهر، جلست وحملت كأس الشاي، ارتشفت رشفة ثم أعدته للصينية.
عادت ذاكرتي لنقطة دمعتي ونقطة الشاي، “الحلو والمالح”، وحيرتي في عدم إحساسي بملوحة دموعي، التي سبقتها حلاوة الشاي “هههه”، وكمجنون هرب من مصحٍّ انفجرت بالضحك، وقلت في سري:
لو كان في جانب من جوانب حياتي شيئاً حلواً يدخل السعادة لحياتي لما شعرت بكل هذا المرار والحزن، لكنها مُرَّة كحنظلٍ نبتَ في أرض صبار، وارتوى بمياه غضب غير موسمية.
سأشرب الشاي، وأذهب للسوق فعَليَّ أن أجدَ من أستدين منه أجرة البيت، هذا الجشع لن يتوانى عن رمي عائلتي في الشارع إذا لم أدفع له.
“نيالك يا أبو اسماعيل” صاحب البيت الذي تسكنه ابن حلال ويقدر وضعك ويراعي أننا قادمون من مزارع الموت نبحث عن حياة تحتوينا ريثما يحدث الله أمراً أو تتوج ثورتنا بالنصر وخلاصنا من كل مجرم واستغلالي كبر وعلا على جراحنا نحن الضعفاء.
نحن الذين ضعنا بين براثن الحرب وتجارها والاستغلاليين الذين عاثوا فساداً في هذه الحرب.
